|
فليبق مكان للعقل!
"يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا" صدق الله العظيم. الأزمة الداخلية الفلسطينية الراهنة هي أزمة سياسية في المقام الأول والأخير، سياسية في أسبابها، سياسية في نتائجها وتداعياتها، وليست قانونية فحسب كما يحاول البعض تصويرها،
وما الإشكالات القانونية المواكبة لهذه الأزمة سوى ذريعة واهية قد يلجأ إليها فقط من يريد إطالة أمد الأزمة، تحت شعار: يبقى الوضع على ما هو عليه، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بمصالح الناس، الذين وضعوا ثقتهم في النخبة السياسية المتنفذة، دون أن يدور بخلدهم أن تلك النخبة يمكن أن تكون أضر بمصالحهم، وأنكى بهم، كما يشهد واقع الحال القائم بالفعل.
لقد آمنا منذ اللحظة الأولى للأزمة بأن الكرة ليست في المقام الأول سوى في ملعب الرئيس أبو مازن على وجه التحديد، وبأن المسئولية الكبرى عن حل هذه الأزمة أو إبقائها تقع على عاتقه هو شخصيًا، باعتباره رأس الشرعيات الفلسطينية كلها، من منظمة التحرير الفلسطينية، إلى السلطة الوطنية، وكنت ولا زلت أعتقد أنه بذلك قادر على وضع حد لكل هذا الحالة المزرية من اللت والعجن وخض الماء والمناكفة السياسية، التي تشهدها الساحة الفلسطينية، والتي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم من التخبط والتيه الذي أفقدنا بوصلة الصواب.
لقد عاش المجتمع الفلسطيني بأسره، طوال الأشهر التسعة الماضية، رهن هذه الحالة غير الطبيعية من التنازع بين الحركتين الكبيرتين؛ فتح وحماس، هذا التنازع الذي شغل المشهد الفلسطيني كله بإشكالات قانونية ودستورية بعيدًة عن أية قضايا سياسية أو اجتماعية ذات شأن يمكن أن تنعكس إيجابًا على المجتمع الفلسطيني المطحون بمشاكله الكبيرة، والذي ما يزال يتلقى المزيد من ضربات الاحتلال الإسرائيلي، بينما تنشغل نخبته المتنفذة بخلافاتها السخيفة، تارة على صلاحيات سلطوية، وتارة على منافع وامتيازات حزبية، رغم إدراك الجميع لحقيقة الأزمة الراهنة وأسبابها، والمتمثلة في رفض المجتمع الدولي التعامل مع حكومة حماس، وهو رفض ظالم بلا أدنى شك، باعتبار أن هذه الحكومة لم تأت سوى نتيجة انتخابات ديمقراطية شرعية، شهد العالم كله بنزاهتها، وكان ينبغي عليه أن يتعامل مع نتائجها بنفس معايير النزاهة والموضوعية.
لكن لأننا ندرك طبيعة المقاييس والموازين والاعتبارات التي تتحكم في القرار الدولي، فقد كان موقفه هذا أمرًا توقعناه مسبقًا؛ وبذلنا لذلك واجب النصيحة بأن يكون تعاملنا مع هذا وفق معايير ورؤى واقعية، حتى نتجنب مثل هذا الموقف الذي نعيشه اليوم، لكن أحدًا لم يستمع، حتى وجدنا أنفسنا مرغمين أمام هذا الواقع الراهن، على الاختيار بين خيارين أخلاهما مر؛ فإما الجمود على موقفنا (الديمقراطي جدًا)، فيبقى الوضع على ما هو عليه، ونظل نراوح مكاننا تحت وطأة الحصار الظالم، أو أن نمتلك رؤية أكثر واقعية، تتيح لنا الدمج ما بين احترامنا لأنفسنا وثوابتنا، وبين التعاطي الذكي والملتزم مع المجتمع الدولي الذي لا نمتلك مع الأسف خيارات كثيرة معها، خصوصًا في ظل حالة التراجع الشامل التي يعانيها الواقع العربي والإسلامي بأسره.
لقد كانت فكرة حكومة الوحدة الوطنية خيارًا واقعيًا جيدًا للخروج من الأزمة، ولكننا فشلنا في التوافق عليها، فهل نضع أيدينا على خدنا ونندب حظنا العاثر، أم نبادر للبحث عن مخرج آخر؟ الجواب لا يحتاج إلى تفكير أو تردد، وهذا ما يجب أن يقوم به الرئيس أبو مازن تحديدًا، بعد أن أوصلتنا حرب الصلاحيات السياسية والحزبية المغلفة بثوب قانوني، إلى حالة غير طبيعية وغير وطنية، لا تبعث سوى على الخوف والقلق على كل تجربتنا الديمقراطية، وعلى مشروعنا الوطني برمته، خصوصًا في ظل ما يحاك من مخططات إسرائيلية ترمي إلى إجهاض الحلم الفلسطيني بالتحرر والاستقلال، عبر عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وفرض سياسة الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني، مع استمرار حرب الإبادة والقتل التي يمارسها الاحتلال ضدنا.
إن صوت العقل والحكمة والضمير الوطني الحي ينادينا؛ أن لا مكان هنا لخلافات ومناكفات صغيرة كتلك التي أقضت مضاجع كل المخلصين منا، وليس أمامنا سوى التوافق السياسي والقانوني على كل القضايا؛ الصغيرة والكبيرة، والعمل على تصغير خلافاتنا وتناقضاتنا مهما بدت كبيرة ومهمة، وأن يضع الجميع المصلحة الوطنية العامة فوق كل اعتبار؛ بدل هذا التناحر المعيب على صلاحيات وتسميات يمكن أن تدوسها دبابات الاحتلال في كل لحظة فلا تبقي منها ولا تذر، وبعيدًا عن لغة التنابز السياسي، التي هي أقرب إلى الردح منها إلى لغة العقلاء!!.
محمود الهباش
تاريخ الماده:- 2006-12-10
|