|
وحدة الشعوب وتفرُّق الحكومات
أحد أسباب الأزمة العربية الراهنة وحدة الشعوب وتفرق الحكومات، وحدة القاعدة الشعبية وتفرق القمة. النضال يوحِّد، والسياسة تفرِّق كما هو حادث في فلسطين، وحدة النضال الوطني أثناء المقاومة وتفرق السلطة الوطنية الفلسطينية بين رئاسة السلطة ورئاسة الوزارة بين "فتح" و"حماس" في مرحلة السلام. والمعارك توحِّد وقسمة
الغنائم تفرِّق كما حدث بعد حرب أكتوبر. فقد وحدت الحرب بين مصر وسوريا. ووقف العرب سنداً لهما في حركة حظر النفط. ثم لعبت السياسة بالنصر فتفرق العرب بعد كامب ديفيد بين معسكر السلام ومعسكر الحرب، بين أنصار كامب ديفيد و"جبهة الصمود والتصدي". الدم يوحِّد والسياسة تفرّق، كما حدث في الحرب العربية- الإسرائيلية السادسة بين المقاومة اللبنانية والجيش الإسرائيلي. العمل يوحّد والنظر يفرّق. فالعمل له أولوية على النظر. أما النظر فبطبيعته متعدد. النظر منظور. وتتعدد المناظير طبقاً للرؤية. فالعين لا ترى إلا جانباً واحداً من المنظر. تتوحد القاعدة الشعبية على أن الإصلاح الزراعي ضرورة يحتمها ضيق المساحة المزروعة ثم تختلف القيادة السياسية على تملكها للدولة أم للجمعيات التعاونية أم للأفراد. الغاية توحِّد، والوسيلة تفرِّق. فلا خلاف على الاستقلال الوطني عند القاعدة الشعبية ولكن الخلاف لدى النخبة السياسية في كيفية الحصول عليه بالإرادة الوطنية المستقلة أم بالأحلاف الإقليمية أم بالحماية الدولية والدخول في محاور الدول الكبرى. المآسي توحّد، والأفراح تفرّق. المآسي تهدد الحياة، والحياة بطبيعتها بها غريزة حب البقاء. أما الأفراح فهي من الكماليات. والخلاف عليها على مستوى الرفاهية. وذلك مثل تضامن الفقراء ومساندة بعضهم لبعض في الرزق، واختلاف الأغنياء على نهب الأموال العامة وطبقاً للمثل العامي المصري "ما شافوهمش وهما بيسرقوا، شافوهم وهما بيتحاسبوا".
إن وحدة القاعدة الشعبية هي حركة التاريخ. وهي التي تحافظ على استمرار الأمة بالرغم من تغير النظم السياسية. فمصر باقية منذ آلاف السنين بالرغم مما توالى عليها من نظم فرعونية ويونانية ورومانية وعربية، أمويين وعباسيين وفاطميين وطولونيين وإخشيديين ومماليك، وفرنسيين وبريطانيين وأخيراً مصريين، اشتراكيين قوميين أولاً، ورأسماليين غربيين ثانياً، وعولميين ثالثاً.
وتفرق القمة هو الذي يوقف مسيرة القاعدة الشعبية، ويعوق حركتها، ويفتت وحدتها، ويشتت شملها بل ويجزئها إلى كيانات طائفية عرقية حتى يبقي النظام السياسي على أشلاء الأمة. تتفرق القمة من أجل الإبقاء على المناصب الدائمة مدى الحياة. ويظل كل منهم حاكماً على قُطْر، وقائماً على شريحة من الوطن. ما يهم هو المصلحة الشخصية والسلطة الفردية والثروة الخاصة. قد يتنافسون على الزعامة القومية. قد وتلعب دولة صغرى، صوتها أعلى من حجمها دور الكبرى. قد يكون الدافع على تفتت القمة حب الظهور وجاه الدنيا والإحساس بالنقص الذي يتحول إلى إلهام من السماء. وقد يطبع التكوين الأمني للشرطي في الشرطة أو العسكري في الجيش مزاج القائد أو الزعيم بالرغبة في السلطة والتسلط، وأن عصا الشرطي أو بندقية الجندي قادرة على التحكم في مسار الشعوب وفي نظام العالم. قد يولد الزعيم ملكاً ابن ملك. يحكم باسم العصبية كما قرر ابن خلدون من قبل ونحن نحتفل بمرور ستمائة عام على وفاته بالقاهرة والإسكندرية، بالرغم من خطورة الثروة والملك والعمران والحداثة على العصبية والولاية والنبوة والإمامة والخلافة وكافة المناصب الدينية.
صحيح أن الحق النظري متعدد، والحق العملي واحد، ولكن التعددية النظرية وهي أساس التعددية السياسية لا تعني الفرقة والتشتت لأنها محكومة بالإجماع الوطني وبرنامج العمل الوطني الموحد الذي يمثل وحدة القاعدة الشعبية. الخلاف على الوسائل وليس على الغايات، على الطرق والأساليب وليس على الأهداف، على أفضل السبل لتحقيق المصالح العليا للأمة كما هو الحال في اليابان والصين فيما يسمى بالإجماع التوافقي أو الوفاق الوطني.
وحدة القاعدة الشعبية هي الأساس. وفي غيابها يظهر اختلاف القمة. لذلك كانت الوحدة الوطنية أو الائتلاف الوطني أحد مطالب حركات الاستقلال الوطني في كوبا وفيتنام والصين وثورة 1919 في مصر. وهو حجر العثرة اليوم في النضال الوطني الفلسطيني، وصعوبة تكوين حكومة وحدة وطنية لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني. كما تشهد بذلك تجارب المقاومة الشعبية أثناء الاحتلال مثل المقاومة الفرنسية وجبهات الائتلاف الوطني والخلاص الوطني والإنقاذ الوطني.
وقد يشارك في الحركة الشعبية أفراد وجماعات من كل البلدان لوحدة الهدف والمصير كما حدث في الحرب الأهلية الأسبانية بين الجمهوريين في الجنوب والملكيين في الشمال، وتكاتفت كل الحركات الجمهورية مع الجنوبيين باسم وحدة النضال العالمي. وحدث نفس الشيء بالنسبة للحركات الأممية الاشتراكية أو الدينية باسم وحدة البروليتاريا العالمية، أو وحدة الأمة. ونجاح اليسار في أميركا اللاتينية يقوي الحركات اليسارية في أفريقيا وآسيا، في الوطن العربي والعالم الإسلامي نظراً لوحدة الهدف المشترك في مقاومة الرأسمالية العالمية والهيمنة الأميركية وقوانين السوق باسم العولمة والعالم قرية واحدة، وثورة الاتصالات.
والحالة الراهنة في الوطن العربي هي كذلك، وحدة القاعدة الشعبية وتفرق القمة، وحدة الشعوب وتناقض النظم. بل إن النظم أصبحت هي العائق الأول أمام تحقيق الأماني القومية في التحرر الوطني والحريات العامة والعدالة الاجتماعية ووحدة الأمة، والتنمية المستدامة، والهوية القومية، وحشد الناس. ويبدو ذلك في خلافات مؤتمرات القمة العربية ووقوعها بين المطرقة والسندان، بين آمال القاعدة الشعبية في الحرية والاستقلال والضغوط الخارجية من أجل الهيمنة والتبعية.
وعندما يفقد الوطن العربي مركز ثقله وقلبه تفقد الأطراف أيضاً اتزانها. وتستقطبها قوى الهيمنة مثل أميركا وإسرائيل لإدخالها في مناطق نفوذها. فبدلاً من أن يصبح الوطن العربي مركز العالم تتجاذبه قوى الشرق والغرب. ويصبح الخليج آسيوياً، والمغرب العربي أفريقياً أو غربياً، مستقطباً نحو الجنوب أو نحو الشمال. والهجرة إلى الشمال مؤشر على ذلك. وربط المغرب بأسبانيا عن طريق النفق البحري يربط أفريقيا بأوروبا كما ربط النفق المائي تحت بحر المانش بين أوروبا وانجلترا. وكما ربطت قناة السويس من قبل بين أفريقيا وآسيا بالإضافة إلى جسر الصداقة الجديد فوق القناة.
فهل تستطيع القمة أن توحد نفسها مثل القاعدة الشعبية، وأن تصبح قمة شعبية؟ وهل تستطيع القاعدة الشعبية أن تفرض وحدتها على القمة وأن تصبح حركة أممية؟ ألا تستطيع حرية الفرد وديمقراطية الحكم أن تقرّب بين القمة والقاعدة الشعبية بحيث تصبح القمة تعبيراً عن القاعدة، وتصبح القاعدة الشعبية قائدة للقمة؟
د. حسن حنفي
تاريخ الماده:- 2006-12-09
|