التجديد العربي /مقدمات الفكر المدائني , محمد بلال أشمل
تشهد العاصمة اللبنانية بيروت اليوم الأحد مظاهرات حاشدة ضمن خطط المعارضة لإجبار حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة على الاستقالة * شتاء عراقي قارس بسبب شحة الكهرباء والنفط.. وعشرات الاطفال يموتون من البرد في بغداد * الجامعات والمدارس في بغداد خالية مع تواصل عمليات التخويف والقتل التي تؤدي الى تهجير مئات المدرسين والطلبة * الديمقراطيون يتعهدون بجلسات استماع موسعة بشأن العراق * مقتل مترجمين جنوبي أفغانستان * قوات الاحتلال تحاصر مدن الغربية حديثة ،بروانة ،عنه * حوالي 25 صاروخ كاتيوشا على قاعدة كاسلو الأمريكية بالعراق * احتجاجات على رفض بلير فتح نقاش برلماني شامل حول العراق * يسعى 9 سجناء سابقين في العراق وأفغانستان إلى مقاضاة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد واثنين من ضباطه المتقاعدين عن طريق محامين أمريكيين * لقي جنديان من قوات المارينز الأمريكية مصرعهما في محافظة الأنبار، وفق ما أعلن بيان عسكري أمريكي السبت <<<:الأخبار  

مواد متعلقة
اصدارات


موسم الديموقراطية الأسرائيلية
د. عزمي بشارة

الديموقراطية هي الحل
ابراهيم الحربي

الأحزاب السياسية في الجزائر والتجربة الديموقراطية
الأستاذ نورالدين ثنيو

الممارسة الديموقراطية داخل حزب جبهة العمل الإسلامي
خالد سليمان

العرب ودولة الإنسان
محمد محفوظ

نداء للتضامن مع لبنان شعباً ودولة ومقاومة


مستقبل لبنان بين حكومة الدولة ودولة الحزب
د. حسن نافعة (أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة)


الآخبار
انشقاق في حركة كفاية المعارضة في مصر

بشور في حوار مع شبيبة المنتدى القومي العربي:

بشور بعد عودته من القاهرة يزور المبعوث الرئاسي السوداني:

مقتل جنديين أميركيين وإصابة عشرة اخرين في بغداد وبهذا يصل عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الأيام الثلاثة الماضية إلى 15

المؤتمر القومي العربي يثمن نصر شافيز

أستشهاد فلسطيني ينتمي إلى كتائب شهداء الأقصى في مدينة طولكرم بالضفة الغربية

قادة العراق الجديد عادوا الي بيوتهم في لندن بسبب انتشار العنف في بغداد

مصرع أربعة جنود أميركيين في منطقة حديثة في هببوط أضطراري لمروحية تشينوك في محافظة الأنبار غربي العراق

حارث الضاري يدعو القوى العراقية المعارضة ل “الاحتلال الامريكي” إلى الاجتماع والتحاور

إطلاق نار على السفارة الأميركية في صنعاء


من أجل المساهمة في تحقيق رسالة التجديد، نهيب بكل المفكرين والكتاب والفنانين والمبدعين والقراء أن يتقدموا لنا بمشاركاتهم، لنجعل من هذا الموقع واحة تتفاعل فيها الأفكار على طريق صياغة مشروع نهضوي جديد لأمتنا


بإمكانكم تصفح جميع الصحف العربية من خلال الموقع بالدخول إلى وحدة الصحف العربية

12:13  السبت  04  سبتمبر  2010
أرسل لصديق نسخه للطباعه

محمد بلال أشمل

مقدمات الفكر المدائني

الديموقراطية ودولة الجهات

الجهة كبداية، والدولة كامتداد

(1) المقدمات النظرية (*)

تحيل إشكالية الديموقراطية ودولة الجهات إلى فضاء علائقي، تشكل طرفاه الدولة من ناحية، والجهات من ناحية ثانية، وفضاء قيمي تؤلفه الديموقراطية كواجب الوجود بين الدولة وبين جهاتها من ناحية ثالثة. فأما الفضاء العلائقي، فلأن هناك طرفان اثنان قائمان في الزمان والمكان، وأما الفضاء القيمي، فلأن هناك طرفا ثالثا بينهما يراد له أن يكون موجودا إذا ُعدم، ومعقولا إذا ُوجد.

إن الكلام (**) في الديموقراطية ودولة الجهات إذن كلام في الأطراف، وكلام في العلاقات، وكلام في القيم. فما المقصود بالأطراف، وفيها الدولة والجهات ودولة الجهات؟ وما المقصود بالعلاقات، وفيها علاقة الدولة بالجهات؟ وما المقصود بالقيم السائدة بين الدولة وجهاتها؟

كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في المقتضيات؛ ما هو مقتضى الجهات؟ ودولة الجهات؟ وما هي مقتضيات العلاقة بينهما؟

كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الموانع؛ فما الذي يمنع تحقق دولة الجهات، وما الذي يمنع سيادة الديموقراطية بين الدولة وبين جهاتها؟

كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الوسائل التي بها تتحقق الديموقراطية ودولة الجهات؟ ما هي أنجعها؟ وما هي أجرأها؟

كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، هو كلام في المنطق العام الواجب سيادته بينهما، والضروري هيمنته عليهما؟

أولا: أطراف العلاقة بين الدولة وجهاتها

قبل الكلام عن العلاقات والقيم السائدة وبين الأطراف، لا بد من الكلام عن هذه الأخيرة. ونقصد بذلك الكلام عن الدولة من ناحية، والجهات من ناحية أخرى، حتى يستقيم بعدها الكلام فيما ينبغي أن يسود بينهما من قيم، وما ينبغي أن تنضبط له من منطق، وما ينبغي أن تخضع له من مقتضيات.

دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة، والكرامة المصانة

هناك أقوال عدة فيما تكون الدولة، بسط في تحديد معالمها الفكر السياسي القديم والحديث، في الشرق وفي الغرب، ونظر لوظائفها، وفصل في طبيعتها؛ حتى أنها لا تخرج في رأينا عن ثلاثة أنماط من الدول لا ثالث لهما (1): أولا “دولة القهر”، وثانيها “دولة العدل”، وثالثها “دولة الرخاء”. فالأولى يغيب فيها العدل، وينتفي فيها الرخاء، والثانية يغيب فيها القهر، ويحضر فيها العسر، والثالثة يحضر فيها العدل والرخاء معا. وكلها دول “تداول” مجموعة من القيم يمكن حصرها في قيمة “السلطة” لأن السلطة هي التي تقرر قيم “القهر” أو “العدل” أو “الرخاء” حقيقة أو مجازا. فنمط الدولة الأولى تداول قيمة “القهر”، ونمط الدولة الثانية تداول قيمة “العدل”، ونمط الدولة الثالثة تداول قيمة “الرخاء”. هذا النمط الثالث، الجامع بين العدل والرخاء، هو منتهى ما طمح إليه الفكر السياسي النازع نحو المثال والناقد لواقع الحال. ولعل صورته في الفكر السياسي المعاصر قد اكتملت الآن فيما يصطلح عليه بـ"دولة الحق والقانون". فدولة الحق هي التي تهئ الأسباب لتحقيق العدل، وتوفر ظروف حدوث الرخاء.غير أن هذه الصورة التي لبستها دولة الحق والقانون، ليست كاملة، أو قل إن كمالها كمال ابتدائي، وما زالت تفتقر إلى كمالها النهائي. ونقصد بذلك أن دولة الحق(2)، حينما تحققت، فقد تحققت برفع الحق كـ"مشروع"، وليس برفعه كـ"قانون" محسوم. وآية ذلك أن الحق الذي أتت دولته محررة إياه من الأسر، لا يزال يرزح تحت نير المشروع، وأصفاد النية، وقيود الرغبة. إن الحق الذي ينبغي أن تداوله الدولة حتى يصبح قانونا، هو الحق المضمون، لا الحق "المغبون"، فما جدوى وجود حق إذا لم يمض إلى تحصيله، والسعي في ضمانه؟

هذا فيما يتصل بالحق، أما فيما يتصل بالقانون، فهو بدوره يكشف عن طابع الكمال الابتدائي للدولة. ذلك أن القانون فيها لا سبيل لكي يصير فيها ميزانا حقيقيا يزن الأفعال ويعير السلوكات إلا إذا كان قانونا مطبقا، وُعرف بعد ذلك مدى مصداقيته، من خلال أثره المادي، وتأثيره المعنوي. ومعنى ذلك عليه الخروج من مرحلة الوجود النظري إلى مرحلة الوجود العملي أو التطبيقي. لا معنى لوجود قانون إذا لم يمض إلى تطبيقه. القانون المعلق هو آفة دولة القانون، والقانون المطبق هو فضيلتها؛ إذ بين القانون المعلق والقانون المطبق، تدخل آليات عدة  لتشغيل القانون وتصريفه إلى وقائع وأحكام عبر تجويد أداء السلطة التنفيذية، وضمان تحررها من السلط التشريعية أو القضائية فيما هو معروف من مبدأ "فصل السلط" الذي يهئ الأسباب لمسطرة العدالة أن تأخذ مجراها.

كمالان ابتدائيان تنطوي عليهما دولة الحق والقانون: الحق المغبون، والقانون المعلق. ومع كمالهما، فإن سوسة الفساد قد تتطرق إليها، ومن ثم تؤخر وصولها إلى كمالها النهائي؛ وهو الرتبة التي يتم فيها تكريس الحق المضمون، وتأسيس القانون المطبق. إن دولة فيها الحق مضمون، وفيها القانون مطبق، لهي "دولة الديموقراطية"(3) التي ما فتئت مساعي الفكر السياسي يجهد نفسه لإدراكها؛ فبدل دولة "الوساطات"، تكون هناك دولة "الكفاءات"، وبدل دولة "الامتيازات" تكون هناك دولة "التعميمات"، وبدل دولة "القعود"، تكون هناك دولة "الجهود"، وبدل دولة "الشرفاء" (4) تكون هناك دولة "النزهاء"…

ومع ذلك، فإن الأسباب ما زالت تقصر بالدولة لكي تدرك كمالها النهائي. إن دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، هي في الاعتبار الأخير، صورة من صور إدراك العقل لمنتهاه حسب المنظور الهيجيلي (5)؛ فآخر مطاف العقل، إنما هو الدولة، والدولة حينما تضمن فيها الحقوق، وتطبق فيها القوانين، لا أحد ينكر عليها عقلانيتها. فنيل الحق، عبر تطبيق القانون، إنما هو عين العقلانية في أعلى مستوياتها الرياضية والمنطقية. بيد أن تلك العقلانية، على ضرورتها، قد تصبح أحيانا، منفرة، أو قد تنقلب إلى نقيضها؛ فالعقل، في التحليل الأخير، قوة قمعية على ما مضى إلى ذلك "ماركيوز" في "الحب والحضارة"(6)، ومن ثم فإذا لم ُيلطف بمكارم الأخلاق، فقد يودي بالأرزاق والحقوق معا إلى مهاوي الهلاك. إن تحصيل الحق المضمون، وإدراك القانون المطبق، قد يثمر نوعا من العدل البارد، إذا لم يدفأ بلهيب الرحمة، فلا شئ يمنع من بسط الرحمة متى ضاقت فسحة العدل. الرحمة والعدل إذن متناقضين مترادفين ُيحتاج إليهما لإدراك رتبة الدولة المتوازنة بين مطلب العقل الذي هو العدل، ومطلب الأخلاق الذي هو الرحمة. فأي شئ هي الدولة هاهنا إن لم تكن هي "الدولة العقلانية المتخلقة": "العقلانية" من حيث علاقاتها القائمة على إرسال المصلحة حسب العقل، وتقييدها حسب العدل(7)، و"المتخلقة" من حيث تلطيف علاقاتها بأخلاق الرحمة من تسامح وحلم وتجاوز ومغفرة وتخفيف وعفو…

بقيت لدولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة درجة واحدة لإدراك كمالها النهائي؛ وهي بلوغها رتبة "دولة الكرامة المصانة". إن دولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ الدولة التي لا تتحقق بالحق، ولا تتقنن بالقانون، إلا لتتعقلن، لكي تتخلق، هذه الدولة ما لم تدافع عن كرامة، أو تجهد نفسها لكي تصونها، ليست دولة ُيطمح إلى قيامها، ولا ُيسعى في وضع أركانها. حقا إن ضمان الحق، وتطبيق القانون، وتخليق العقل مما قد يهئ مواطنة(8) كرامتها ُمصانة. ومع ذلك فكل الاحتمالات واردة في أن الكرامة معرضة للامتهان(9)، إذا لم ُيعلم جوهر الحق فيضمن، أو ُيعرف مدى روح القانون فيطبق، وُتدرك حدود الأخلاقية والعقلانية فيمضى إلى العمل بها. إن جميع هذه العناصر متداخلة تداخلا عجيبا، كأنها تسير في بعضها البعض، وليس مع بعضها البعض طردا وعكسا؛ فلا كرامة ُمصانة إذا ُأهدر حق معلوم، ولا كرامة ُمصانة إذا علق قانون مشهور، ولا كرامة ُمصانة إذا تعدت العقلانية الأخلاقية حدودها المسموح بها. إن افتراقها يصنع كمالا ابتدائيا للدولة المنشودة، واجتماعها يصنع كمالا نهائيا لها، فنكون، من ثم، في حضرة دولة الحق المضمون، ودولة القانون المطبق، ودولة العقلانية المتخلقة، ودولة الكرامة المصانة؛ التي تداول الحق،وتضمنه، وتداول القانون وتطبقه، وتداول العقل وتخلقه، وتداول الكرامة وتصونها. وبكلمة جامعة، فهذه الدولة، من حيث تداولها ومداولتها لكل ما رأينا، هي دولة ديموقراطية لأنها الدولة التي تداول، وبحرية، الحق والقانون والعقل والأخلاق والكرامة.(10)

جهة الخصوصية، والقوة، والحرية والإبداع والتواصل

تفيد الجهة مفهوما جغرافيا وتاريخيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا؛ فمن حيث إفادتها الجغرافية، هي جماع أرض معلومة، بسمات مخصوصة، سهلية كانت أو جبلية، أو هما معا، خصبة أو قاحلة، ذات مناخ معتدل أو شديد البرودة أو شديد الحرارة، رطب أو قاري… لها حدود مرسومة أو حدود مفترضة، بحرية أو برية.

أما من حيث إفادتها التاريخية، فهي جماع ذكريات وطنية، وأمجاد تاريخية، كانت هزائم أم انتصارات، نكبات أم مسرات، مطوي تاريخها في الأوراق والوثائق، أم منشور في الصحف والمجلات والأسفار...

أما من حيث إفادتها الثقافية، فهي جماع تعابير أدبية أو فنية أو دينية أو اجتماعية، عملية أو نظرية، راكمتها طيلة تاريخها وصقلتها في أطواره، ونمتها خلال سياقاته...

أما من حيث إفادتها السياسية، فهي جماع كينونة التدبير لديها؛ إما مستقلة بذاتها مكتفية بنفسها عن غيرها، أم محتاجة إلى غيرها لقوام ذاتها. حرة أم تابعة محتاجة أم ُمحتاج إليها...

أما من حيث إفادتها الاقتصادية، فهي جماع إمكانيات الخير المادي لديها، في الطاقة أم في الزراعة، في الصناعة أم في السياحة أم في جميعها...

هكذا تحدد مفهوم "الجهة" لدى من نظروا له من رجال الفكر السياسي والقانوني، فوضعوا له من ثم أطرا إدارية تضبطه، وقوالب سياسية تؤطره، وضوابط علائقية تحكمه مع الأطراف الأخرى التي تقاسمه المكان أو الزمان (11). وإن إمعان النظر في مفهوم الجهة، باستحضار إفاداته الجغرافية والتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية مما ذكرنا، ُيشرِف بنا على دلالات متعددة ومختلفة؛ منها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة المكان والزمان؛ فالجهة توجد في الأرض، وتبلور وجودها في التاريخ. ومنها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة "الاتجاه"؛ سواء "التحيز في المكان" مع جهة أخرى، و"التزمن في التاريخ" مع أخرى. أو دلالة "المواجهة" مع جهة أخرى بمعناها السلبي كالحرب، أو بمعناها الإيجابي كالحوار والتعاون والتكامل؛ إما مع جهة أخرى، أو دولة أخرى. هذه الدلالات المتعددة والمختلفة، أي دلالة "التحيز في المكان"، و"التزمن في التاريخ"، و"الاتجاه مع الآخر"، و"المواجهة" معه، هي التي تحدد في نظرنا طبيعة العلاقة المحتملة مع الدولة ككيان جامع للجهات أو ككيان مانع لها، أو حتى مع غيرها من الجهات؛ لأنها تخرج بها من الإطار المكاني والزماني، إلى الإطار القيمي. فالجهة بما هي جهة، تتحيز، وجهة تتزمن، هي جهة ُتجاور، ومن ثم تنفتح واقعة التجاور على فضاء إشكالي أخص خصائصه أنه يطرح سؤال "الخصوصية" و"الحرية" و"الإبداع" و"التواصل" كـ"أسئلة هوية" لهذه الجهة، قد يمضي بها التوتر الإشكالي إلى أن تصبح "أسئلة قضية" لها. فالذي يتجاور في الزمان والمكان، إنما يتجاور وفق خصائص يمتلكها، وحرية يتمتع بها، وإبداعا يتميز به، وتواصلا ينهض بأعبائه. إن الداعي إلى وجود الجهة إنما يبرره وجود خصوصية لها؛ سواء كانت متعلقة بالجغرافيا أم بالتاريخ، بالثقافة أم بالاقتصاد، بحيث لا مجال لأن تتشابه الجهات، ولا أن تتطابق. فالخصوصية هي محض تعدد في جوهر الجهة، ومجرد تعدد في عرضها. الجهة بما هي جهة، تتقاسم المكان مع غيرها من الجهات، وتشارك غيرها الزمان وليس ذلك إلا بفضل خصوصيتها التي ميزتها عبر التاريخ. وهذه الخصوصية إنما هي خصوصية تاريخية أساسا. ولهذا فليس هناك من سبيل لفرض "خصوصية جديدة"، لأن مسألة الخصوصية ليست مما تقرره الإدارة(12) في صورتها الإدارية أو السياسية، وإنما هي مما تقرره "صيرورة التجاور" من حيث اشتغال آلية التغالب والغلبة بين الجهات على الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي والحضاري(13).  وكما لا سبيل إلى فرض خصوصية جديدة،لا سبيل أيضا لـ"إلحاق" الجهة بنمط عام، لأن الجهة بما هي جهة، هي مواجهة لـ"التنميط العام" الذي تخضع له؛ بحيث يصعب إلحاقها بركب التوحيد النمطي الذي قد تجريه عليها سلطة عليا كما هو الشأن عليه من لدن الدولة مثلا. دائما هناك "جهة مقاومة"، ما دامت هناك "قيم مقاومة" في الجهة؛ تتعالى على مجرد التحيز في المكان، وتتعالى على بسيط التزمن في التاريخ، لكي تسمق عاليا في سماء المثال واليوتوبيا. وعلى هذا فمصير "التنميط" الذي قد تصطنعه الدولة مثلا، لكي توحد به الجهات وتلحقها بإيديولوجية الوحدة، هو مصير الفشل؛ خصوصا إذا استمر دفق الوعي بالخصوصية، واستقوى الوعي بها باتخاذ قيم المواجهة وأخلاق المقاومة أمام سعي الدولة لتعميم النمط الوحيد في الحياة، واللغة الوحيدة في التخاطب، والنموذج الأوحد للولاء عبر أجهزتها الإيديولوجية المتنوعة بدءا بالمدرسة وانتهاء بالوسائل السمعية والبصرية(14).

إن استمرار ذلك الوعي بالخصوصية، واستئناف الشعور بالمقاومة تجاه أي توحيد نمطي للجهة، إنما مبعثه الشعور الغامر بالحرية الذي يؤسس روح وجسد الجهة. فما الجهة إلا فردا في الجغرافيا، ووحدة في التاريخ. ولكي يتم الشعور بالحرية، لا بد من اكتمال الشعور بالفردية؛ إذ الفردية هنا واقع جغرافي وتاريخي، وليس واقعا قيميا يفصح عن أخلاق الأثرة، ويروج لسلوك الانعزال، وينطوي على مشاعر التعصب، لأن في تجاور الجهة مع غيرها، ما ينفي ذلك عنها فيما سنقرره من خاصية التواصل التي ينبغي أن تنهض بأعبائها بكل وعي ومسؤولية(15).

الجهة والحرية صنوان لا يفترقان. هذا على الأقل على مستوى الإرادة، أما على مستوى الواقع، فإنا نعلم أن موقع الجهة وضغط المواجهة التي ترتهن لها، إذا كان يجعلها فاقدة لحريتها، إنما لا يجعلها فاقدة لنزوعها إلى التحرر، ولا ناقصة الشعور بالكراهية للاستعباد؛ خصوصا لدى من أشبعت نفوسهم محبة لها وكراهية لغيرها، فكان لديهم الولاء ولاء للجهة، لا لغيرها. ليست الجهة جهة إلا لأنها حرة، وإن تجاورت في الزمان والمكان مع جهات أخرى. هي جهة لأنها هي التي تسود جهتها، وتقرر أية مصلحة توافق جهتها، وأية مضرة تضر بها. وأعظم قدرٍ يمكن أن يصادف الجهة هي "جهتها" على البحر، ومواجهتها لامتداده. الوجود أمام البحر، والعيش على مرأى من امتداده، يجعل من الحرية، ومن النزوع إليها شرطا بنيويا من شروط كينونة الجهة؛ لأنه مرتبط بالامتداد، والامتداد نافذة مشرعة على الحرية وعلى ريحها. إن وجود الجهة على البحر، مواجهة لامتداده، إنما هو قضاء لها بالحرية، وإمضاء لها على الانطلاق. ولذلك نجد أن الشعوب التي توجد على البحر هي شعوب تواقة إلى الحرية، والفترات التي تعيشها تحت نير الاستعباد، إنما هي فترات عابرة في حياتها سرعان ما تصير إلى زوال، كلما أبقت على شعلة المقاومة متوهجة في أحشائها.

والجهة المواجهة للبحر، هي جهة منفتحة على المجهول، وتشتاق معرفته، والاطلاع على أحواله. وبين هذا الوجود أمام البحر، وبين الشوق إلى معرفة مجهوله، تبرز واقعة "الإبحار". ليس الإبحار ركوب البحر لمجرد تحصيل الرزق فحسب، بل هو هتك لأسراره واكتشاف لأغواره. فالإبحار هو ركوب الفضول إلى مجهول المعرفة، ومنكور العلم، وفيه يظهر الآخر وينكشف، وُيرجى ،من ثم، إقامة صلة ما معه توجهها الرغبة في الوصال، فتتحقق بعدها واقعة التواصل بما هي فعل تواصل بين أطراف الصلة (16). الجهة في مواجهة البحر، تشعر بالحرية، فتنطلق للإبحار فتكتشف الآخر، ثم تسعى إلى التواصل معه. وهذا هو بعد آخر من أبعاد الجهة، بما هي جهة متواصلة مع غيرها؛ لا سيما إذا كانت موجودة على البحر يناديها للإبحار فتكتشف الآخر، وتعقد معه ِصلات التواصل، أو قل ِصلات  الـ"التواجه" بعد ِصلات "الاتجاه".

وكما يكون "الاتجاه" في البحر، يكون في البر أيضا. هنا تسعى الجهة إلى التواصل مع التخوم، في البداية، حراسة لحدودها النظرية والواقعية، والتعرف على جوارها، وفي الأثناء حوار معها، وفي النهاية تواصل معها؛ سواء كان هذا التواصل عنيفا أم خفيفا.

في واقعة التواصل، يظهر بعد آخر من أبعاد الجهة، وهو المتعلق بالإبداع. الجهة لا تكون ذات خصوصية إلا لأنها أبدعت كينونة على غير مثال، ولا تكون حرة إلا أنها قادرة على الحفاظ على خصوصيتها، والدفاع عنها أمام أي مسعى لاستعبادها. ولا تكون متواصلة إلا لأنها حرة في "حركة الصلة" التي تقوم بها، ومطمئنة إلى موضوع التواصل الذي تنخرط فيه. إنها، سواء كخصوصية، أو حرية، أو تواصل، جهة للإبداع، لأنها اكتملت لديها أخص شروطه وهو الحرية. لقد أبدعت الجهة خصوصيتها، فلم لا تبدع حريتها، ولم لا تبدع حتى أنماط تواصلها؟ الإبداع، متعلقا بالجهة، ينفي الاتباع؛ فلا تسعى الجهة إلى المطابقة، والإبداع ينكر الخضوع، فلا تنهض الجهة إلى العمومية، فتقع في شرنقة الولاء للنموذج العام. الجهة مكان الإبداع، وموت الاتباع. والإبداع حرية، والحرية تقتضي التواصل. وكلها مقتضيات للجهة التي تواجه كينونتها، وتتجه إلى مصيرها.

غير أن هذه المواجهة والتواجه، يظلان بغير فائدة إذا لم يضمن لهما شرط أساسي أسبق هو شرط "القوة".لا جهة ذات خصوصية وهي ضعيفة، حتى لا يخشى من عاقبة تعميمها، ولا جهة حرة وهي خائرة القوى حتى لا يقلق على عافيتها من السقوط في إكراه الاستشفاء بتعاليم غيرها، ولا جهة متواصلة بشرط الضعف حتى لا ُيطمع في استضعافها واستنزاف خيراتها. التواصل تكافؤ في القوة، وأحسنه أن يقوم بين طرفين قويين لا بين طرف قوي وطرف ضعيف. ولا جهة مبدعة وهي ضعيفة، حتى لا تبدع مسخا لنفسها العاجزة، وتمكن منها غيرها باليسير من الأسباب، وبالضعيف من الوسائل. لا بد من أن تكون الجهة قوية، ولا بد من أن تتميز بالقوة، وأن تسعى إلى الاستقواء في حالة العجز، والاستزادة من القوة في حالة التمكن.

أبعاد خمسة إذن تحتاجها الجهة، بعد "الخصوصية"، وبعد "الحرية"، وبعد "التواصل"، وبعد "الإبداع" وبعد "القوة". إن جهة لا تنطوي على هذه الأبعاد جهة ممسوخة، عامة، مقيدة، منكفئة على نفسها، تابعة، ضعيفة، فيستحسن أن تلحق بغيرها في ركب العمومية، وتضاف إليه في مسار العبودية، وتنغلق معه في قالب الانغلاق، وتتبعه في عقيدة الاتباع، وتجمد معه على ثقافة التواكل. وبعبارة أخرى، عليها أن تنخرط في عمومية الدولة، ولها بعد ذلك أن ترى هل هذه "دولة القهر" أم "دولة العدل" أم "دولة الرخاء"... ولكن الحديث عن هذا سابق لأوانه، ومن المستحسن إرجاؤه إلى زمانه.

دولة الجهات والديموقراطية كـ"سعادة"

بعد أن تكلمنا على طرفي العلاقة في "الديموقراطية ودولة الجهات"، نأتي إلى الكلام عن الطرف الثالث، والمتعلق بدولة الجهات. لا بد من الإشارة إلى أن أي تصور يمكن طرحه في هذه المسألة أو غيرها، إنما هو مؤسس على الجانب النظري، المحكوم أساسا بعنصر الإمكان لا بعنصر التحقق. أمامنا تجارب عالمية هنا وهناك مثل التجربة الأمريكية أو الميكسيكية أو الإسبانية التي تقوم على المبدأ الفدرالي الذي  يحكم أطراف العلاقة فيما بين مكوناتها(17). ويجوز أن يكون هذا هو النموذج الذي يوجد لدى البعض منا وهو يطلب "دولة الجهات". ولكن لا يجب الذهول عن شروط توفرت لتلك التجارب  حتى أدركت ما هي عليه من نموذج، فيم لم تتوفر لنا نحن تلك الشروط بالكفاية اللازمة(18).

وعلى أية حال، لا بأس من القول إن مجرد طرح هذه المسألة للتداول الفكري والسياسي؛ في الوقت الذي ما زلنا لم نحسم بعد في قضية الديموقراطية، وأية مسالك ينبغي سلوكها لكي نبلغ إليها، لهو مكسب يحققه الفكر السياسي الوطني، ويحسب له في تاريخ صراعه من أجل نيل مقاصده النبيلة. في هذا الإطار من النظر، نحب أن ُيفهم عنا المنحى العام الذي يسير فيه تصورنا(19).  

إن هذا التصور المتعلق بدولة الجهات،  يستعيد الأسس العامة التي حددناها من قبل للدولة ذاتها، ويعتبر الركائز الأساسية للجهات كما سبق أن بسطناها. لقد تصورنا الدولة ككيان الحق فيه مضمون، والقانون فيه مطبق، عقلانيته متخلقة، والكرامة فيه مصانة. كما تصورنا الجهة كوحدة لها خصوصية تنعم بالحرية، وتعز بالقوة، وتتميز بالإبداع، وتقدر على التواصل. هذه الأسس العامة التي توجه تصورنا للدولة، مضافة إليها هذه الركائز الأساسية التي تحكم تصورنا للجهة، هي التي نصدر عنها في تصورنا لدولة الجهات؛ فكأنا بذلك ندمج هذه بتلك، حتى تخرج بثمرة واحدة هي دولة الجهات وقد استقام عمودها، ونضج رطبها. إنا نعتبر أن دولة الجهات تحتمل وحدة في تعدد، أو قل تعددا في وحدة. فالدولة هاهنا، بمعنى من المعاني، كيان موحد، فيم الجهات كيانات متعددة. والجهات من ناحيتها تعدد، ولكنه مرتبط بكيان موحد هو الدولة. فالجهات هي الدولة وقد تعددت، والدولة هي الجهات وقد توحدت. الدولة هي التي "تداول" الجهات في تعددها، والجهات هي التي "تواجه" الدولة في توحدها. لماذا هذا الارتباط؟ لأن صيغة "دولة الجهات" لا تحتمل غير هذه العلاقات بين الجهات وبين الدولة. فالجهات هنا مضافة إلى الدولة، مكسورة بكسر الإضافة والجر، مجرورة بحركة الانتماء والخضوع. فالدولة بما هي توحد، تتألف من جهات بما هي تكثر. ولكن ليس من الضروري أن تكون تلك الجهات على وعي تام بجهتها، أي بكيانها من مجموع المكان الذي تتألف منه الدولة؛ فقد يجوز أن نصادف "دولة الجهات" وقد غاب عنصر الشخصية في الجهة، وغاب الوعي بخصوصيتها، فلم تكن فرضا من التاريخ ولا من الجغرافيا، وإنما قرارا إداريا اتخذته السلطة لدواع أمنية أو سياسية أو إدارية (20).هنا تطرح مسألة طبيعة دولة الجهات ما هي؟ كما تطرح مسألة العلاقات فيما بينها كيف هي؟ لنؤجل قليلا الكلام في العلاقات، ولنواصل الكلام في الأطراف. كيف هي دولة الجهات بهذا الشرط الذي قدمنا، أي الوحدة في تعدد، والتعدد في وحدة؟

إن دولة الجهات، كما نعتقد فيها، هي ذلك الكيان الذي يضمن فيه الحق، ويطبق فيه القانون، وتتخلق فيه العقلانية، وتصان فيه الكرامة؛ كيان بخصوصية متميزة، وبحرية ظاهرة، وبقوة قاهرة، وبقدرة على التواصل جبارة. أي إنه ذلك الكيان الجامع بين الدولة من ناحية، والجهة من ناحية أخرى. ومعنى ذلك فإن ما اعتقدناه للجهة هو عين ما نعتقده ونؤمن به لتركيبها مع الدولة، أي "دولة الجهات".

ومع ذلك فإنا نحسب أن هذا التركيب لا يعكس تلك الرغبة الطبيعية التي نملكها في أن تكون دولة الجهات كما نحب ونشتهي؛ كاملة مطلقة بغير آفة أو عيب. هناك شئ منفلت عنا باستمرار في هذا الخليط التركيبي بين الدولة وبين الجهة. ولعله يكمن في أن الدولة هي الكيان المشرف على "تواجه الجهات"، وتدبير شأنها العام. إنها بمثابة تلك المدينة التي تحدث عنها الفكر السياسي القديم مع "أبي نصر الفارابي" لما جعلها موضع اجتماع الناس لكي يتعاونوا على الأشياء التي بها ُتنال السعادة في الحقيقة(21) فلو طبقنا هذا التحديد من الفكر العربي الإسلامي على موضوعنا، لقلنا إن دولة الجهات هي موضع اجتماع الجهات وقد تعاونت على أشياء بها تنال السعادة في الحقيقة.لن نفصل أكثر في مسألة ما هي هذه "الأشياء التي بها تنال السعادة في الحقيقة" ،لأن مكانها هو الكلام في العلاقات. ما نحب التأكيد عليه هاهنا، هو أن أفق دولة الجهات هنا هو "السعادة". إنه أفق رحب ينبغي منذ الآن رد الاعتبار إليه في الفكر السياسي الوطني، واطراح مضمونه الميتافيزيقي، والإبقاء على مضمونه الفيزيقي. فالدولة مهما كانت، والجهة كيفما كانت، ودولة الجهات حسب ما كانت، هي كيانات منتهى غرضها تحقيق السعادة فيما لو بقينا في إطار الفكر الإيجابي المتمنطق بقيم الجدوى. أما إذا لا، فليس مسعى أي منهما إلا "الإشقاء"، وهو نظير ما أثمرته مختلف أنماط الدولة القاهرة في الشرق أو في الغرب. إذا كانت هذه الكيانات تطمح إلى الديموقراطية، فهي، بمعنى من المعاني، لا تطمح إلا لتحقيق الوسيلة، أما الغاية في الحقيقة فهي "السعادة". ومن ثم فإن أخص خصائص الدولة، سواء كانت دولة واحدة أم دولة الجهات، هي رعايتها للأشياء التي بها تنال السعادة. فهل تقدر دولة الجهات على هذا الدور، وهل تراها قادرة على النهوض بأعبائه؟

ثانيا: العلاقة بين الدولة والجهات

بعد أن تكلمنا على أطراف العلاقة بين الدولة والجهات، نأتي إلى الكلام على العلاقة بينهما في حد ذاتها. فهل توجد علاقة بين الدولة والجهات؟ ما طبيعتها؟ ما هو مداها؟

علاقة الجهة بالدولة: علاقة اختيار أم علاقة اضطرار؟

إذا تكلمنا بصيغة "دولة الجهات"، فمن المؤكد أن العلاقة بين الدولة والجهة، علاقة موجودة؛ صحت وقائعها أم لم تصح. لقد حددنا طبيعة الدولة كما نتصورها، فقلنا إنها الدولة التي فيها القانون مطبق، والحق فيها مضمون، والعقلانية متخلقة، والكرامة ُمصانة. ثم مضينا فحددنا طبيعة الجهة كما نتصورها، كجهة الخصوصية، والحرية، والقوة، والإبداع، والتواصل. فما قلناه قبلا بصدد أطراف العلاقة ينبغي أن نضيفه الآن إلى علاقة الأطراف. وبناء على ذلك، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم الخصوصية، وتؤكد التواصل، وتحافظ على القوة، وتفسح الحرية لجميع ذلك. ومن ثم فهي العلاقة التي تضمن الحق، وتصون الكرامة، وتطبق القانون، وتتخلق فيها العقلانية. وبعبارة أخرى، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم فيها الدولة خصوصية الجهة؛ فلا تمضي إلى مسخها، أو إلى تمرير خصوصية أخرى داخلها، أو تنمط خصوصية نموذجية فتعممها على سائر الجهات. وهي العلاقة التي تترك فيها الدولة الحرية للجهات لكي تصنع لنفسها ما تشاء، تدبر أمورها، وتستقل بشؤونها؛ لا تتدخل في مخططاتها العامة لحياتها، فتحدث فيها من التغيير ما تشاء، أو تبدل فيها ما تريد. وهي العلاقة التي تقدر فيها الدولة إبداع الجهة لنمط حياتها، وكيفية تسيير شؤونها، ومظاهر ذلك الإبداع وتجلياته؛ فلا تفرض عليها أن تتبعها، ولا تكرهها على  النسج على منوالها. وهي العلاقة التي تبارك فيها الدولة كل مساعي التواصل مع الجهات الأخرى أو مع الدولة ذاتها؛ ما دامت تدخل في الخط العام لتحصيل السعادة من كليهما، ولا تحدث ما من شأنه أن يعرقلها، أو يجهض إمكانيات إثمارها واستثمارها واستمرارها. وهي العلاقة التي تنظر فيها الدولة إلى مظاهر القوة في الجهة فتتعهدها بالرعاية، فتستقوي بها، وتظاهر بها غيرها من الدول، لا ساعية في إضعافها، ولا راجية استضعافها، ولا مدبرة تضعيفها. بل إن هذه العلاقة ينبغي أن تنضبط في نظرنا حتى للأسس العامة للدولة ذاتها كما تصورناها. فهي العلاقة التي تثق فيها الجهة أن حقها مضمون لن يضيع، وأن القانون عليها وعلى غيرها لا محالة مطبق غير معلق، وأن علاقاتها بها علاقة عقلانية متخلقة  تنطوي على أبعاد إنسانية.

ومثلما نرى انضباط العلاقة بين الدولة والجهات إلى ماذكرنا، هكذا نرى ضرورة انضباط العلاقة الممكنة بين الجهات فيما بينها. فعلاقة الجهات فيما بينها، إنما هي في نظرنا علاقة خصوصية؛ تقدر  كل واحد من الجهات خصوصية غيرها، وتحترم حريتها، وتستقوي بقوتها، وتتواصل معها، راجية أن يكون الحق فيما بينها مضمون، والقانون بينها مطبق، والكرامة فيما بينها ُمصانة، والعقلانية بينها متخلقة. إن علاقة الدولة مع الجهة، وهذه مع غيرها، يعطي في البداية ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والجهة، الانطباع بأن المركز هو الدولة والهامش هو الجهة. هذا صحيح إلى حد بعيد. إنما هو غير صحيح من أن الدولة هاهنا قد تصبح أمرا لاغيا بمجرد استواء العلاقات فيما بينها وبين الجهات، وفيم بين الجهات وبعضها البعض. إنها لن تظل ثابتة في مكانها مثلما كانت من قبل. الدولة حاضرة لأنها تحاول بسط سلطتها وقد رأت انتفاء العمل بالقيم المؤسسة للدولة ذاتها، وللجهات من بعدها. أما لما تسير القيم في طريقها الطبيعي، تحتجب الدولة وتحتجب معها سلطتها الرمزية، ولا يحتاج الأمر بعدها إلى وجود الدولة دون السقوط في عدمية فوضوية حين الاعتقاد في هذا. فقد تصبح الدولة نواة للوطن خصوصا وأن الشعور بالوطن نادر الوجود في الدولة، فالولاءات ليست إلا للحكام، وليس للأوطان مع أن بداية بروز الحركة الوطنية في كثير من بلدان العالم برز ببروز الشعور الوطني حول "وطن" ما، محدد الجغرافيا، ومعروف التاريخ، ومنتظر منه أن يقوم بدور في المستقبل.

الأجيال اللاحقة فرطت في هذا الشعور إلا في مباريات كرة القدم، وجمدت على الشعور السلطوي أو الولاء للحكم وللنظام السياسي خاصة بعد تسلط الأنظمة القطرية على مصائر البلدان العربية(22). والتمركز الذي تبديه الدولة الآن ليس إلا تمركز نخبة سياسية حاكمة، دينية كانت أو علمانية، عسكرية أو مدنية. ومع ذلك لا الدولة بالمركز، ولا الجهات بالهامش. كلها مراكز في نفس الوقت، أو باختلاف الأوقات. وكلها هوامش في نفس الوقت أو باختلافها. لنسلم بمركزية الدولة تجاه جهاتها، فنقول إن الكيفية التي تحدثنا بها عن أنماط العلاقة مع الأطراف، هي كيفية توحي بمركزية الدولة وبهامشية الجهات؛ فالدولة هي التي يجب أن تحترم الخصوصية، وترعى الحرية، وتسمح بالإبداع، وتسمح بالتواصل، وهي الدولة التي ينبغي أن يكون فيها الحق مضمون، والقانون مطبق، والكرامة مصانة، والعقلانية متخلقة.

إن دولة هذه صفاتها، وعلاقة هذه أحوالها، تطرح، شئنا أم   أبينا، سؤال "الانتماء". هل هذا الانتماء، انتماء اختيار أم انتماء اضطرار؟ لاشك أن أسمى انتماء يمكن أن يميز الجهة كما حددناها، هو انتماء نابع عن الاختيار والحرية، لا عن الاضطرار والقهر. فجهة حرة، ذات خصوصية قوية، مبدعة ومتواصلة، بالضرورة تختار الانتماء إلى دولة بالمواصفات التي حددنا، دولة الحق فيها مضمون، والقانون مطبق، والعقلانية فيها متخلقة، والكرامة فيها ُمصانة. ومعنى ذلك أن الجهة تبحث عن التكامل مع دولة الجهات متى انتمت إليها انتماء اختيار، ورأت فيها من الأسباب ما يعزز خصوصيتها بين الخصوصيات، ويقوي قوتها بين القوى، ويدعم حريتها بين الحريات، ويغني إبداعها بين الإبداعات، ويثري تواصلها بين المتواصلات. ما لم تكن دولة الجهات بالمواصفات التي ذكرنا، وما لم تتهيأ للجهة أسباب التكامل المعقولة معها، تنتفي دواعي الانتماء أصلا، وتصبح العلاقة هاهنا علاقة "تقاتل".  إن الدولة تجهد وسائلها من أجل إخضاع الجهة لسياستها وفق المنظور الذي ترتئيه، والجهة تستنفر طاقتها من أجل مقاومة ضغط الدولة. التكامل والتقاتل هما اللذان يحددان ما إذا كانت توجد العلاقة بين الدولة والجهات، ومن ثم تكشفان طبيعة هذه العلاقة هل هي علاقة تكامل أم علاقة تقاتل؟

الدولة والجهات: علاقة تكامل لا علاقة “تقاتل"

من المؤكد أن وعي الجهة بمصلحتها، هو الذي يدفعها إلى اختيار الانتماء إلى الدولة أم العزوف عن ذلك الانتماء. إن مصلحتها في التكامل، وضررها في التقاتل، هما اللذان يفرضان عليها إما أن "تنتمي"، فتنال حظها من ثمار التكامل، أو "تعتزل" فتنال قسمتها من غيره. ما يحدث أنها إن اعتزلت الدولة، طمعت فيها هذه الأخيرة إن كانت تطلب التكامل معها، وإن استجابت خشيت من أن تصبح رقما باردا في معادلة الدولة المركزية. لو ضمنت أن الدولة لن تعاديها في حالة الاعتزال، لانصرفت تؤسس كيانها بمعزل عن الارتباط؛ فتكون حرة مختارة لحاضرها ومصيرها، أي أن تكون مستقلة. ولكن مقتضيات التكامل تدفعها لكي تستزيد من قوتها، وتغتني في تعددها مع جهات أخرى، فتطلب الانتماء على مضض منها إلى الدولة لأنها واثقة من أن الدولة مهما زعمت من الحياد ستهيمن عليها؛ إن لم يكن مباشرة، فبكيفية غير مباشرة، خصوصا من لدن الدولة الفاشية المؤسسة على مفهوم الوحدة السرمدية، والمشروع الكوني التاريخي(23).

التكامل هو الذي يضعف رغبة الجهة في الاستقلال، وهو الذي يقوي إرادتها في الانتماء دون اعتبار للشعور الوطني، أو الوحدة الدينية، أو القرابة اللغوية، أو ما شابه ذلك من مشاعر تنتفي ومصلحة الجهة. إن الجهة كما حددناها سابقا، لا يمكن أن تكون إلا ذات بعد إيجابي. ولذلك فهي ستختار حتما الانتماء إلى الدولة. ولكن ينبغي أن تزيد على ذلك فنقول إن "الجهة ذات بعد نقدي"، إذا لم تجد من الأسباب ما يجعلها تنتمي عن اختيار وعن حرية، وتضمن تحقق الاستقواء والتكامل في انتمائها، ستطمح إلى تأسيس كيانها كدولة؛ فالدولة في كثير من جغرافيات العالم، ليست إلا جهات ذات نزوع استقلالي عظيم في وقت من الأوقات في تاريخها. لكن مصلحة التكامل وأخلاق الوحدة، هما اللذان يدفعان الجهة إلى الانتماء . هذا إلى أن سماتها، كما سلفنا، هي سمات انتماء بما هي تواصل وحرية وإبداع وقوة.

مدى انتماء "الجهة" إلى "دولة الجهات"

إن العلاقة مع الدولة، هي علاقة تكامل إذن. ولكي تحقق الجهة تلك العلاقة، عليها أن تنتمي. والانتماء، بمعنى من المعاني، فيه بذرة من الحفاظ على الخصوصية من الذوبان، وصيانة الحرية من الاستعباد، وحماية القوة من الضعف، والحرص على أسباب التواصل كي لا تنقطع. بل إنا نكاد نرى فيه صيغة قريبة من "التنمية"؛ فالانتماء إلى الدولة تنمية الجهة لخصوصيتها ولحريتها وقوتها وإبداعها وتواصلها. لا تنتمي الجهة لكي تفقد خصوصيتها، ولا لكي تتنازل عن شق صغير من حريتها، ولا تفني قوتها في قوة الدولة، ولا تستثمر تواصلها لصالح الدولة. الجهة تنتمي وهي في كامل حريتها، أو قل في تمام استقلالها، وإلا لكان الأمر يتعلق بـ"الاندماج". تندمج الجهة فيغدو كيانها حال في ذات الدولة؛ لا خصوصية تختص بها، ولا حرية تتحرر بها، ولا إبداعا تتميز به، ولا تواصلا تقيمه مع خصوصيات أخرى. الاندماج سلب للشخصية لأنها تذوب في شخصية أكبر هي هنا الدولة. وإذا كان الذوبان والفناء مما يعرف عنهما تعبيرا عن محبة الذائب في الشخص المذيب،كما هو الأمر في الممارسة الصوفية، فإنها هنا ليست إلا تعبيرا عن تنازل مهين عن شخصية مستقلة للجهة ما أحراها إن حافظت عليها أن تثمر من الخير ما لا قبل لها به. ولأن الأمر يتعلق بجهة، من المفروض أن لها كيانا خاصا، فعليها أن تطلب "الانتماء" لا "الاندماج"؛ الأول يحفظ لها "جهتها"، و الثاني "يطمسها". وعلى ذلك فالمدى الذي ينبغي أن تصل إليه علاقة الجهة بالدولة، هو مدى "الانتماء المستقل" المبني على "اختيار بغاية التكامل".

ثالثا: قيم الديموقراطية كوسيط بين الجهات والدولة

وجود دولة الجهات هو بلا ريب،مظهر من مظاهر الديموقراطية. فالتعدد الذي يطبع الديموقراطية، ليس إلا تجسيدا لواقع التعدد الذي يميز الجهات. لا يستقيم التعدد مع وجود"دولة التوحيد" التي جسدتها مؤسسيا الدولة الفاشية مع "موسوليني" في إيطاليا، وصاغتها نظريا أطروحات "أنطونيو بريمو دي ريفيرا"  في إسبانيا. الديموقراطية هي الأنسب لواقع الجهات؛ فبها تشتغل وبها تعيش، وبها تحافظ على خصوصيتها، وعلى حريتها، وعلى قوتها، وعلى روح الإبداع لديها، وعلى حس التواصل الذي يسكنها. ولذلك فأنسب علاقة ينبغي أن تحكم الجهة بالدولة أو بغيرها من الجهات هي آلية الديموقراطية. إن الديموقراطية آلية لتحقيق مقاصد عدة نجملها في "السعادة"؛ إذ هي ليست بالغاية التي يسعى إليها، بل هي الوسيلة التي يتوسل بها لتحقيق السعادة في الدولة التي وجد لها الفكر السياسي تعبيرا مناسبا وهو تحقيق دولة الخير والرفاهية مع التحفظ على أن الرفاهية لها مدلول مادي يقصر بها عن إدراك رتبة السعادة التي هي اللذة الحسية والروحية معا. إن الدولة التي وصفناها لا يمكن أن تكون إلا الدولة الديموقراطية، أما الجهات التي حددناها فهي بدورها لا يمكن أن تكون إلا الجهات الديموقراطية. هنا لا بد من الجمع بين النظيرين الدولة والديموقراطية والجهات والديموقراطية، ومن ثم فإن العلاقة السائدة بينهما هي العلاقة الديموقراطية باعتبارها التجسيد الفعلي للحداثة السياسية. إذا كانت الجهات هي التعبير الحداثي عن الانتماءات، فإن الديموقراطية هي التعبير الفعلي عن تلك الحداثة صورة وجسدا. إن الديموقراطية في معانيها الأولى، تعني النظام الذي بوساطته يحكم الشعب نفسه بنفسه بناء على سيادة واضحة هي سيادة الشعب. هذا المعنى الأولي هو ذاته يصلح لكي ينطبق على الجهات. فالديموقراطية هي أن تحكم الجهات نفسها بنفسها بدون وصاية من الدولة ولا بتوجيه منها. فمن نفسها تستمد السيادة لا من غيرها. لا تحتاج الجهة إلى أن تحكمها الدولة. إن انتماءها إليها لا يجيز لها أن تمارس الحكم عليها، بل أن تتكامل معها. دواعي الانتماء ليس أن تصبح الجهة موضوعا للحكم، بل موضوعا للتكامل. والتكامل يفترض أن تحكم الجهة نفسها بنفسها، وتقرر الأشكال والكيفيات التي بها ستتكامل مع غيرها؛ سواء كانت الدولة أو باقي الجهات. إن الأصل هو الجهة، لأنها هي "القبلة"-حسب المعنى القاموسي- التي ينبغي توجيه الأبصار إليها، والفرع هو الدولة. الأمر يتعلق بدولة تنتمي إلى الجهات، لا جهات الدولة، أي الجهات التي تنتمي إلى الدولة. وفي رأينا الشكل البنائي الذي ارتسمت به في الأول، ليس هو الشكل البنائي الذي ارتسمت به في الثاني. الشكل الأول (دولة الجهات) فيه الجهات هي صاحبة المبادرة والهيمنة والسلطة، فالدولة هنا تنتمي إلى الجهات وتتألف منها، أما الشكل الثاني(جهات الدولة) فالدولة فيه هي صاحبة القرار والسلطة، تهيمن على الجهات لأنها جزء منها، وربما مندمجة فيها. دولة الجهات على العكس تنتمي فقط، وانتماؤها هو انتماء استقلال بقصد التكامل، لا اندماج تبعية بقصد التنازل عن جهتها. والذي يحددها هو الديموقراطية باعتبارها آلة حيث تحكم الجهات نفسها بنفسها، لا استبداد عليها لكي تندمج ولا إرهاب عليها لكي تتبع. هذه الديموقراطية كما نتصورها مطبقة على حالة الدولة وجهاتها، ديموقراطية نابعة من هوية الدولة من ناحية، ومن هوية الجهات من ناحية ثانية. إنها الديموقراطية التي تداولها الجهات، والديموقراطية التي "تتجه" بها الدولة. غير ذلك محض استبداد من الجهات في "التواجه"، ومجرد "تفاش"-أي ممارسة الفاشية- من الدولة في "التداول". وعلى ذلك فإذا كان لا بد لنا من وضع تعريف جديد لـ"دولة الجهات"، مع اعتبار لكافة الخصائص التي أوردناها، لقلنا إنها صيغة تكامل الجهات مع بعضها البعض، تعبيرا عن خصوصيتها، وحفاظا على حريتها، وحماية لقوتها، وتطويرا لإبداعها، ودعما لتواصلها. تفنى الدولة في الجهة، عوض فناء الجهة في الدولة، لأن الأصل الحضاري هو الجهة، والعرَضَ السياسي هو الدولة. ومن ثم فالعلاقة بين الدولة والجهات هي علاقة حرة، مختارة، وانتماء الجهة إلى الدولة إنما هو انتماء حر إلى صيغة من صيغ التكامل، وإبقاء ضروري للهوية ومتعلقاتها من خصوصية، وحرية، وقوة، وإبداع، وتواصل.

رابعا: مقتضيات الجهة ودولتها

لكي تتحقق الجهات ودولتها، ولكي تنضبط للديموقراطية؛ باعتبارها وسيطا بينها لا بد من حضور بضع مقتضيات:

أولاها وجود الجهة كشرط ضروري لتحقيق العلاقة الديموقراطية بين الدولة المفترضة وديموقراطيتها، والجهة المفترضة وخصوصيتها؛ فقد توجد الدولة مؤسسيا دون وجود الجهة كذلك، لأن الدولة كيان سياسي، فيم الجهة كيان ثقافي وحضاري أريدت له السياسة العامة.

ثانيها توفر الخصوصية الحقيقية للجهة باعتبارها مبرر "جهتها"، و مدعاة "تواجهها" مع الدول أو الجهات الأخرى. فلا معنى للجهة إلا بالخصوصية. فالجهة التي لا خصوصية لها هي عموم المكان. ولما كانت الجهة غير كذلك باعتبارها خصوص المكان، كان من الضروري توفرها على خصوصية بها تتميز، وبها تعرف، وبها تخاطب الدولة كعموم المكان. لا ينبغي أن تكون الخصوصية مما يبتدع طمعا في الانتماء المستقل، بل ينبغي أن تكون طبيعية لها من الشواهد ما يفحم. الخصوصية ليست وليدة الإرادة- إلا فيما اتصل بالحفاظ عليها من الضياع، وصيانتها من الانمساخ- بل هي وليدة الواقع الحضاري والثقافي الذي تبلورت فيه. إذا ابتدعت الخصوصية، بأي وجوهها، كانت مدخلا طبيعيا إلى الادعاء، وبعده إلى الصراع، ومنه توا إلى الحرب الأهلية.

ثالثها، وجود الإرادة لدى الجهة لكي تنتمي باستقلال إلى الدولة، ووجود الإرادة لدى الدولة –باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات-لكي تحمي هذا الانتماء باحترام استقلاليته. لا تنتمي الجهة إلى الدولة لكي تهيمن عليها، ولا تستبيح الدولة استقلال وخصوصية الجهة لكي تمارس عليها سلطتها. الجهة ستقاوم، والدولة ستقمع، والتكامل سيتوقف، وطبول الحرب قد تدق.

رابعها، ترجمة الإرادة إلى وقائع ديموقراطية، وترك الجهة تسير نفسها بنفسها، بلا وصاية عليها ولا توجيه منها. هناك فرق بين الشعار وتطبيق الشعار. علاقة الجهة بالدولة ينبغي أن تتجاوز برزخ الشعار إلى أرض التطبيق لكي تنعم الجهة بحق التكامل، وتستفيد الدولة من واجب التكافل بين الجهات. غير ذلك سيحرمهما من منافع كثيرة، وسيعرضهما لتوترات أكثر ليس أقلها أن تنصرف الجهة عن التواصل إلى "التفاصل"، وهو باب للفتنة الوطنية من الصعب إغلاقه.

خامسها، وضع دستور جهوي يحمي الجهة من أهواء التسلط "الدولتي"، ويصون لها واقع الانتماء المستقل إلى الدولة، كانتماء إلى صيغة، وليس إلى مؤسسة. الجهوية، فوق أنها إرادة في التكامل، مبنية على الطواعية في "الانتماء"، وعلى الإكراه في "الاحتماء"، هي إطار قانوني ينبغي ضبطه بصيغه المؤسسية. ولعل الدستور هنا هو من يتولى تنظيم الجهوية على الأرض، وتصريف فلسفتها إلى حقائق عيانية محسوسة وملموسة كما هو الشأن في عديد التجارب الرائدة في الغرب التي اقتنعت أن "الجهوية" باعتبارها شكلا من أشكال التدبير الديموقراطي للتعدد، اختيار   للمستقبل(24).

سادسها، إيجاد الشروط المادية والأدبية لتحقيق كل ذلك؛ ولا سيما المتعلق منها بالبنى التحتية القادرة على ترجمة الجهوية إلى شخصية عيانية مؤسسية قادرة على صنع القرار الجهوي، والدفاع عنه، ومتابعته إلى حيث يتحقق مشاريع وثمارا وفوائد، مع الإبقاء على الموارد البشرية للجهة، وعدم استبدالها بالتقنوقراط من “الغرباء” و”الدخلاء" الذين يصلحون لكل مكان وزمان. 

خامسا: موانع دولة الجهات

الإرادة في إرساء دولة الجهات، وفي تصريف شؤونها عبر آلية الديموقراطية، يتطلب التفكير في الموانع أيضا ما هي؟ وفي تقديرنا هناك العديد منها من سائرها:

§         الخشية من انفراط عقد "الوحدة الوطنية"،فإذا تنادت كل الجهات بخصوصيتها، وعملت على الدعوة إلى احترامها، ومضت إلى إبداع صيغ في "التواجه" بعيدا عن رقابة الدولة، ستثمر مناخا من التوتر لا ترضاه الإيديولوجية التوحيدية للدولة، ويمكن أن تتحرك لتلافيه جيوب "الفاشية" فيها، مما يخشى معه من حرب أهلية طاحنة. 

§         الخشية من اشتعال الحرب الأهلية داخل كيان الدولة، لأن الجهة، بما هي جهة، لما تمارس "جهويتها" انطلاقا من "جهتها"، في غياب ضوابط ديموقراطية تضمنها الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات، ربما أسفرت عن تواجه الجهات فيما بينها متى اختل توازن التكامل، وارتبكت موازينه بسبب تطرف الخصوصية لدى بعض الجهات، أو إساءة استعمال حريتها، أو إتيانها من الإبداع لجهتها ما يتعارض مع التخوم، أو قيامها بتواصل مختل مع غيرها، أو اغترارها بقوتها وتعسفها في استعمالها؛ لا سيما إذا اختلط كل ذلك بنعرات عرقية أو دعوات دينية، أو مذهبيات سياسية.

§         الخشية من بلقنة الكيان الوطني، وتقسيمه بدعوة حق أريد به باطل؛ حق الخصوصية، بباطل الاستقلال، ثم الاستنجاد بالقوى الخارجية لدعم مشروع الانقسام أو مشروع التقسيم أو مشروع الانفصال أو ما عداه من دعاوي التشرذم والبلقنة. يخشى من الخصوصية الثقافية كالخصوصية الأمازيغية، أو الخصوصية الحضارية كالخصوصية الشمالية، فكيف لا يخشى من الخصوصية الجغرافية التي تعيش على أرض معلومة، وجهة مشهورة.

§         وجود إرادة الاستبداد لدى الدولة إذا كانت دولة بطريركية، تستبد بالحكم في المركز، وتستبد بالحكم في الهامش، خشية انفلات السلطة من يدها، وانتقالها إلى ما يعاديها. ومن ثم فإن أية ملامح لخصوصية ثقافية، أو جغرافية يمكن أن تثمر نوعا من الوعي الاستقلالي، أو نوعا من النزوع الانفصالي، سرعان ما تمضي إلى محاربته، وزرع الأشواك في طريقه عرقلة منها لامتداده، أو تضع العراقيل في طريقه إجهاضا منها لتطوره.

§         وجود إرادة الهيمنة لدى الدولة؛ فالدولة البطريركية المستبدة، إنما تستبد بممارسة هيمنتها على الجهات التي تؤلفها، فلا تسمح بأي قرار غير قرارها، ولا تطق أية مبادرة غير مبادرتها. كل الأجهزة التنفيذية تحت مراقبتها، وكل قنوات التنفيذ في يدها، هي المطلق الذي لا تفوته لا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

§         وجود إرادة الانعزال لدى الجهات؛ لا سيما إذا عظم لديها الوعي بخصوصيتها، وحصل لديها الاقتناع بكونها ضحية لقوى تمنع عنها تمتعها بشخصيتها الحقوقية والسياسية والثقافية، فتمضي إلى تجريب المقاومة عن طريق النزوع إلى الانعزال تمهيدا منها لإعلان الانفصال أو ما شابهه من دعوات الاستقلال.

§         إرادة التنميط لدى الدولة؛ أي إحداث نمط من الحياة العام، تؤمن به الدولة، وتسلكه، وتنزله بمثابة قانون لا بد من العمل به، والعيش وفقه على إكراه من مواطنيها، وعلى مضض منهم. ولأن هذه الإرادة في التنميط تجد مقاومة لها من لدن الجهات الخاصة التي تملك نموذجا للحياة يتعارض مع النموذج الذي تدعو إلى تطبيقه الدولة، ينجم نوع من التوتر بين الدولة كوجود عام، وبين الجهات كوجود خاص قلما يسلم الأمر فيه من الضحايا إما في الإنسان أو في العمران.

§         تطرف أشكال الخصوصية لمقاومة التنميط "الدولتي" كلما اشتطت الدولة في فرض نمطها العام، اشتطت الجهات في مقاومته عبر الغلو في التنادي بالخصوصية، والمبالغة في إبرازها، والخروج عن المعتاد في التظاهر بها على ما يرافق ذلك من مزج بين الحقوق الثقافية المهضومة، وبين الممارسة الديموقراطية المعتلة.

§         الخشية من استضعاف العدو الخارجي، فكثرة التنادي بالخصوصية في الرقعة العامة للدولة، قد يجعل خريطتها السياسية مطبوعة بطابع التعدد المضعف للقوة، والمعرض إياها للخوار، مما يطمع العدو في التدخل في شؤونها، وتدبير الأسباب لاحتلالها نظرا لضعفها الناتج عن تشتت جهاتها، وانقسامها على خصوصية مضعفة، عوض اجتماعها على عمومية مقوية.

سادسا: المنطق العام الذي ينبغي أن يسود دولة الجهات

الكلام في المنطق العام الذي ينبغي أن يسود العلاقات بين "دولة الجهات" و"جهاتـ"ها" هو كلام في الخلافيات، كما هو الشأن في جميع الكلام السابق. وإنما وضع في صيغة "الماينبغي أن يكون" لأنه مبني على تعاقدات بين الدولة وبين جهاتها. ومن المعلوم أن أي تعاقد، إنما ينبني على ما ينبغي أن يكون، مع تسخير الوسائل الممكنة والمتاحة لتحقيقه. هذا المنطق العام لا يوائم إلا الدولة، كما حددناها سابقا؛ الدولة التي يضمن فيها الحق، ويطبق فيها القانون، وتتخلق عقلانيتها، وتصان فيها الكرامة. كما لا يوافق إلا الجهات التي لها خصوصية، حرة، قوية، مبدعة، ومتواصلة. بصفة عامة، إنه المنطق الذي يوائم علاقة التكامل التي قلنا إنها من الواجب أن تسود بين الدولة وبين جهاتها. أية دولة بغير ما وصفنا، وأية جهة بدون ما حددنا، وأية علاقة بينهما خارجة عما ذكرنا، لا يصلح لها هذا المنطق؛ لأنه منطق إيجابي، لا يصلح إلا لمثله من الكيانات الإيجابية التي حددناها. ومن ثم فالعلاقة بين الجهات ودولتها ينبغي أن تنضبط للمنطق التالي:

§         منطق التواصل لا منطق التفاصل؛ صحيح إن الخصوصية هي أبرز مميز للجهة، ولكن خاصية التواصل التي تتميز بها أيضا لا تجعلها إلا مقبلة على الآخر سواء كان الدولة أو الجهات التي تتألف منها، ومدبرة عن أي مسعى للتفاصل معها. لا تتحقق غايات التكامل إلا بمنطق التواصل، ولا تنهدم مقاصد التكامل إلا بالإقبال على التفاصل. الانعزال، وما شاكله من ألوان الانكفاء على النفس، اعتزازا بخصوصية، أو انتصارا لشخصية متميزة، لا يخلف إلا تزايد الحظوظ في الاندثار البطئ أمام ضرورة الحوار مع الآخر، وإقامة الجسور معه لعبور العلاقة من الصلة إلى الوصال فالتواصل.

§         التآزر لا التخاذل؛ فمنطق التواصل إنما هو منطق متخلق بقيم التآزر لا التخاذل، تتآزر الجهات مع بعضها البعض، و مع الدولة أيضا، لتحقيق مصالح "التواجه"، وتطبيق أخلاق  "التواطن"؛ لاتقع من أحدهم مخاذلة، ولا يبدر من طرف أيهم امتناع عن تقديم العون، فكلهم في الوطن يدا واحدة على عدوهم، وجميعهم في المصالح جهة موحدة على حاجاتهم.

§         التعاون لا الاستئثار بالخيرات؛ فالتواصل والتآزر يقتضيهما وإلا لما كانت هناك من حاجة إلى الانتماء إذا لم يحقق التكامل. والتكامل لا يكون إلا بالتعاون على تحقيق المصالح، والاستعانة بقوة الجميع على تسريع زمن تحقيقها، لا الاستئثار بالخيرات، فهذا ليس إلا وجها من أوجه "الاستبداد" الذي قد يمكن أن تأتيه الدولة، كما كانت تأتيه الدولة الشرقية أيام عز استبدادها ، جلبا للخراج، وتحصيلا للضرائب، وإزهاقا لحقوق الرعايا. أو تسعى إليه جهة من جهاتها، مستغلة هوان الدولة، فتهدم ركنا أساسيا من أركان الحرية التي ينبني عليها الانتماء فيما بين الدولة والجهات.

§         الحرية لا التبعية؛ لأن الأولى هي الأصل في الانتماء، والأكثر وفاء للخصوصية، والأكثر تعبيرا عن الإبداع، والأفضل تتويجا للقدرة على التواصل. أما الثانية فهي نفي للجهة بالأصل، ومحو لها بالنيابة. لا تكون الجهة جهة إلا بحرية، ولا تكون الدولة دولة للجهات إلا بميثاق الحرية. ومن ثم فالتبعية هي المقدمة الأولى لتآكل الدولة الطامحة إلى الاستقواء بجهاتها ما دامت هذه الأخيرة ضعيفة غير قوية، تابعة غير حرة. 

خاتمة

لقد تصورنا الدولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ وصيانة الكرامة وحفظها، وتخليق عقلانيتها وأنسنتها. وتصورنا الجهات فقررنا خصوصيتها، وشددنا على حريتها، وأكدنا على تواصلها، وألححنا على إبداعها، وودعونا إلى قوتها. ثم تصورنا العلاقة بينهما علاقة حرة، قائمة على التكامل، ينطبق عليها ما انطبق على الدولة كوحدة، وما انطبق على الجهات كتعدد. وإنا لما تصورنا كل ذلك، لم نلتفت إلى الأسماء التي بها تتسمى هذه الدولة التي جهاتها منتمية إليها انتماء استقلال بقصد التكامل، ولا إلى الأسماء التي بها تتسمى الجهات بها فتنتسب إلى الدولة انتساب حرية بقصد الاستقواء. فقط أحببنا أن نؤكد أنا في كل ذلك نعتقد أن الجهة هي "البداية"، والدولة هي "الامتداد"، سواء في المصالح؛ فالجهة هي أولى في المصلحة من الدولة، والدولة هي آخر امتداد لها، أو في التواطن، فالجهة هي أحق بمشاعر الوطنية من الدولة، والدولة تلحق عليها. لا أثر لأية هرطقة سياسية في هذا، إذ الوطنية في نظرنا حلقات بدايتها من الجهة، وامتدادها في الدولة. تفنى الدولة بشكلها السياسي، وتبقى الجهة بشكلها الحضاري، ويظل معها الوطن بشكله العاطفي. حلقات مترابطة فيما بينها تشكل ما قد يسمى لدينا بـ"التواجه"، أي ممارسة الانتماء إلى الجهة، مبتدؤه في المدينة، ومنتهاه في الوطن. وبذلك يمكن أن نكون أمام بلورة نوع من "التواطن" - أي ممارسة المواطنة- بناء على الجهة أو التواجه، أو قل بناء على المدينة التي تشكل نواة الجهة(25).

dhgfec

الهوامش

(*) هذه مقدمات نظرية لمجال التطبيق الذي نروم القيام به على "جهة الشمال" مع الدولة المغربية، مع استحضار "تطاون العامرة" كنواة لهذه الجهة.

(**) تتكرر هذه الكلمة مرات عديدة قصدا إلى روح الدفاع عن نمط من الدولة، ونمط من الجهة، ونمط من العلاقات الكائنة بينهما، وفي ذلك من الانتظام في تقليد علمي تراثي ما لا تخفى دلالته، إنما بغير مقاصده، ولا بذات أساليبه.

(1) كان ف.ا.فاناسييف قد قرر نماذج أربع للدولة الرقية والاقطاعية والرأسمالية والاشتراكية واعتبر النموذج الأخير نموذجا جديدا للدولة باعتبارها دولة شعبية حقا فيما النماذج الثلاثة الأولى نماذج تدافع عن مصالح المستغلين. راجع بترجمة ماهر لقطينة "الدولة والحزب والديموقراطية" دار ابن خلدون بيروت 1977 ص 10.

(2) انظر على سبيل المثال ما قررته جاكلين روس بصدد دولة الحق في:

§         Jacqueline RUSS : Les théories du pouvoir, Librairie Géneral Française, Paris 1944.

(3) هذا لا يمنع أن تكون الدولة الديموقراطية "استبدادية" كما أشار إلى ذلك كانط في "نحو سلام دائم". انظر:

§         E. Kant: Vers la paix perpétuelle et autres textes, Flammarion, Paris 1991, p.87.

(4) هذا الوصف حمال أوجه؛ فقد يراد به كل امتياز على الناس، ومن ثم ينزه صاحبه عن كل عيب، ويمنع عنه كل عقاب إذا ما اقترف جرما يعاقب عليه القانون. إنه حالة وجودية متعارضة مع فكرة المساواة أمام القانون، ومع الديموقراطية عامة. ومن نماذجه الامتياز في الدولة العسكرية، أو الامتياز في الدولة الدينية… ويراد به لدينا في المغرب جمع من الناس ينتسبون حقا أو وهما إلى الدوحة النبوية المشرفة، ومن ثم ينالون امتيازات أو يلاقون تقديرات من غيرهم من الناس ممن ينطوون لهم على الاحترام والتبجيل. 

(5 ) انظر تصور هيجل في "محاضرات في فلسفة التاريخ" الجزء الأول، العقل في التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، الطبعة الثانية، دار التنوير، بيروت 1981ص 73-74.

(6) انظر:

§         H.Marcus : Eros et Civilisation, Contribution à Freud. Trad. JG.NENY et B. Fnaenkel, Minuit, 1968, p. 30.

(7) لاحظ أن عبد الرحمان بن خلدون ربط بين الظلم وخراب العمران، واعتبر من ثم أن العدل أساس الملك. انظر  فصل "في أن الظلم مؤذن بخراب العمران" المقدمة، دار القلم، الطبعة الرابعة بيروت 1981. ص 286-290.

(8) نعتقد أن المواطنة مفهوم متأرجح بين الإدارة والإرادة، فالمواطنة الإدارية هي مواطنة تعمل الدولة على فرضها مع وجود مفهوم الرعية كما هو الشأن في أكثر الدول العربية. أما المواطنة الإرادية فهي إمكانية مستقبلية يراد لها التحقق مع وجود موانعها من القهر وامتهان الكرامة. وفي جميع الأحوال، فإن المواطنة "تفاعل" مع الآخر تفاعل تسامح وتعاون وتفهم واحترام وتضامن وغيرها من قيم المواطنة ومن ثم فالمواطنة هي نوع من "التواطن" أي نمط من التفاعل الواعي بغاياته وبمقاصده مع الوطن.

(9 ) من المعلوم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقوم أساسا على فكرة "الكرامة" الإنسانية.

(10) قد نرقى بهذه الدولة إلى مستوى المدينة الفاضلة التي تصورها أفلاطون في "الجمهورية" أو آراء أهلها في "آراء أهل المدينة الفاضلة" لأبي نصر الفارابي أو  "مدينة الله" التي تصورها أوغسطينوس… لاجتماع قيمها الدينية مع قيمها الأخلاقية مع قيمها المدنية… ولو أنا ما زلنا نميز بين المدينة والدولة باعتبار أن الأولى هي المبتدأ، والثانية هي المنتهى كما سنبين خلال هذا البحث.

(11) يبدو أن التقسيم الإداري للجهات بالمغرب على سبيل المثال يخضع لمنطق جغرافي أو تاريخي أو ثقافي، ولكنه في الواقع لا يخضع إلا لمنطق أمني يذوب الخصوصيات بعضها في بعض خشية استيقاظ الوعي بالذاتية السياسية والثقافية والتاريخية، مع تعميم "النمط المركزي" المفكر فيه من منطلق الوحدة والشمولية.

(12) نفرق بين الإرادة والإدارة تفرقة الحق من الباطل، وأول ما صنعنا ذلك في كتابنا "تطاون العامرة أفقا للتفكير" فانظر  أولى ملامح تلك الثنائية هناك لدى منشورات "تطاون أسمير" تطاون 2002. وننوي تطوير ما لدينا من حدوس بصدد ذلك فيما سيستقبل من الأيام.

(13) الدرس الأنثروبولوجي الهادئ هو من يقدر على البرهنة على وجود أو عدم وجود خصوصية معينة للجهة، وليس الإيديولوجية التوحيدية للدولة بكافة صورها.

(14) لما يتحدث خوليان مارياس عن "أراضي أرض إسبانيا" فلم يكن يقصد إلا التنوع في إطار الوحدة شريطة احترام الخصوصية وعدم الخروج عن الوحدة. انظر مقاله بالعنوان نفسه في :

§         Julian Marías :Cinco años de España, 3 ed. Espasa Calpe, Madrid, 1982, p., 20-23

(15) انظر ما قررناه بصدد التواصل في بحثنا المعنون بـ"المغرب وإسبانيا: من التواصل العمودي إلى التواصل الأفقي" المنشور في حلقات ثلاثة أسبوعية بجريدة "الشمال" الطنجية من 14-01-2003 إلى 28-01-2003.

(16)  هناك عدة نماذج في التاريخ من هذا التواجه مع البحر الذي أثمر واقعة الإبحار ومن ثم اكتشاف الآخر وهذا ما وقع غداة اكتشاف العالم الجديد وما ترتب عنه من واقعة الاستعمار في صورته الإسبانية والبرتغالية والإنجليزية …وكلها شعوب مواجهة للبحر وتعيش على امتداده.

(17) انظر:

§         V. Brun : Le principe féderatif, Paris 1940.

(18) من الواجب القول في هذا المقام إن التجربة الإسبانية التي تجاورنا؛ والتي يرغب بعض الناس استنباتها في تربتنا المغربية، لها شروط لم نعمل بعد على تأصيلها في تربتنا. ومنها جعل المغرب أفقا للتفكير الفلسفي بالشكل الذي يسمح لنا ببلورة تصور فلسفي عن “المواطنة” و “الوطن”. فعلى سبيل المثال، ولاءاتنا إما إلى الزوايا الدينية أو فرق كرة القدم أو إلى الأعراق الأمازيغية أو العربية أو للسلطة السياسية. بل ليس لدينا حتى مفهوم للوطن صاف من غيوم الولاء للسلطة السياسية الحاكمة. الإسبان- ولا سيما جيل 98 منهم- على العكس من ذلك، أصلوا مفهوم الوطن في عديد مراحله الفكرية والفلسفية، واستخلصوه من كافة الأشكال الممكنة للولاء إلا للوطن. انظر بحثنا: آراء أهل إسبانيا الحيوية: نظرات في الفكر الوطني الإسباني. مجلة "الشعلة" العددان 4-5 يناير 2001.

(19) انظر كتابنا : الجيل والقضية، منشورات أياكار الرباط 2003 ص98-100.

(20) هذا ما وقع في المغرب في التقسيمات الجهوية التي جمعت ما لا يجمع من المناطق، وفرقت ما لا يفرق منها وكان الهاجس الأمني في التقطيع الانتخابي لعام 1996 هو الحاضر كما لاحظ كثير من المحللين الوطنيين في صحافة تلك الفترة بالمغرب. انظر "مشروع قانون الجهات" المملكة المغربية، وزارة الداخلية، 17 أكتوبر 1996.

(21) الفارابي: كتاب السياسة المدنية، تحقيق فوزي متري النجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1964.

(22) الواقف على تجربة المغرب في ميدان الحركة الوطنية- ولا سيما في الشمال- يجد أن فكرة الوطن والأمة والسعادة كانت هي المفاهيم المهيمنة على تفكير رجال الحركة الوطنية، بل إن فكرة "الأمة" كانت لها من المنزلة ما لم تكن يضاهيها إلا فكرة "الاستقلال" التي كانت تناضل من أجلها تلك الحركة. إن مفهوم الأمة هو الذي استعملته الحركة الوطنية في تقديم مطالبها التي تعرف بـ”مطالب الأمة” للدولة الإسبانية عامي 1931 و 1933 وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد الخالق الطريس: “إن الأمة مجدة في نهضتها، فلا بد من مساعدتها على السير. والطلب خير دليل على التشبث بالسلم”. مجلة السلام العدد 2 فاتح نوفمبر 1933.كما يقول في مكان آخر جامعا بين مفاهيم لم يعد يتداولها الفكر السياسي الوطني مثل مفهوم السعادة: “هل تكمن سعادة أمة بدون الوصول إلى الحرية والاستقلال وهل يمكن الوصول إلى ذلك بدون عمل؟ وهل هناك عمل كتنفيذ برنامجنا؟ برنامجنا عام شامل يريد إحياء هذا الدين، يريد رفع هذا الوطن إلى أسمى درجات الرقي، يريد أن يجعل كل فرد في هذه الأمة سعيدا". مجلة المغرب الجديد، العدد 1 يونيو 1935، ص 115.

 

 

(23) كما هو الشأن مع الدولة التي بشر بها صاحب الكتائب في إسبانيا خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا. انظر:

§         José Antonio Primo de Rivera: Obras, Madrid, 1966.

 (24) انظر على سبيل المثال:

§         B. Rémond : La Région, une unité politique de l’avenir, Montchrestien, Paris 1993.

 

(25) نختلف هنا مع الطرح الذي يزعم أن المدينة إلى زوال، انظر:

§         C. Delafante : «  la ville a-t-elle cessé d'exister ? » In Urbanisme n° 102-103, 1967.

dhgfec

مصادر ومراجع معتمدة في البحث (***)

I. بالعربية:

§         الفارابي: كتاب السياسة المدنية، تحقيق فوزي متري النجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1964 - آراء أهل المدينة الفاضلة، المطبعة الكاثوليكية بيروت/القاهرة 1980.

§         عبدالرحمان بن خلدون: المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، القاهرة 1965.

§         هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، نشر دار الآداب بيروت 1971.

§         محمد طه بدوي: النظم السياسية والاجتماعية،دار المعارف القاهرة 1958.

II. بالأجنبية:

  • C. Palazolli : Les Regions italiennes (Contribution à la décentralization politique) Paris, 1966.
  • F. Moderne : la nouvelle décentralization, Sirey, Paris 1983.
  • P. Bidart, dir : Régions, Nation, Etats, Publisud, Paris 1991.
  • G. Pariset : Histoire du régionalisme, in Etude d’histoire du révolutionnaire et contemporaine, Paris 1929.
  • R. Aron : Démocratie et totalitarisme, Paris 1965.
  • G. Sartori : Repenser la démocratie : Mauvais régimes et mauvaises politiques, in Revue Inter. Des Sciences
  • Sociales, Vol., XLIII(3) n°129, août, 1991.
  • Vladimir Lénine : L'État et la Révolution, Ed. Progrès, Moscou,1988.
  • J. Tusell : Historía de la democracía cristiana en España, 2 Vol. Edicusa, Madrid 1974.
  • Z. Garcia Villada : El destino de España en la historia universal, Madrid 1926.
  • J. Alvarez Junco: La ideología política del anarquismo español(1868-1910), Madrid, 1967.
  • Autonomías: Un siglo de lucha, extra de la revista Historia16, V, abril 1978.
  • Varios: La cuestión regional española, Edicusa, Madrid, 1977.
  • Anselmo Carretero: Las nacionalidades españolas, San Sebastián, Madrid, 1977.
  • F. Pi y Margall: Las nacionalidades, 2 Volúmenes, Edicusa, Madrid, 1967.
  • A. Royo Villanova: Las bases doctrinales del nacinalismo, Barcelona, 1917.
  • Jésus de Sarria: Ideología del nacionalismo vasco, Bilbao, 1918.
  • C. Delafante : «  la ville a-t-elle cessé d'exister ? » in Urbanisme n° 102-103 , 1967.
  • R. Oudin : Plodoyer pour la ville, Paris, 1971.
  • H. Laborit : L’homme et la ville, Paris, 1971.
  • M. Ragon : La Cite de l’an 2000, Paris 1968.
  • B. Rémond : La Région, une unité politique de l’avenir, Montchrestien, Paris 1993.
  • J.F. Gravier : La Question régionale, Flammarion, 1970.
  • J. L. Delgado : Economía española de laTransición y la democracía, 1973-1986 Madrid 1990.
  • O. Bendourou : Le Pouvoir exécutif au Maroc depuis l ‘indépendance, Publisud, 1986.

(***) بالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه في الهوامش، تم اعتماد اللائحة المشار إليها أسفله.

 



محمد بلال أشمل

 تاريخ الماده:- 2006-04-19


أنظر العريضة الجديدة "معا على طريق الإصلاح"  المقدمة من قبل نخبة تمثل مختلف فعاليات المجتمع السعودي لولي العهد ورئيس الحرس الوطني الأمير عبد الله بن عبد العزيز في شهر فبراير عام 2004 


انظر في وثائق وتقارير: دور الكيان الصهيوني في اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية.


انظر في وثائق وتقارير: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى للموقع، فنوصي بقراءة المقالتين الرئيستين "لماذا التجديد؟!" و " بعد اقتحام التجربة.. تطلع نحو المستقل"

قالــوا عــن الـموقع


انظر وثيقة"رؤية لحاضر الوطن ومستقبله"
مجموع المطالعات 13262938      الآراء المنشوره عدا رأي التحرير لا تعبر بالضروره عن رأي أسرة التجديد