انتكاسة اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية

انتكاسة اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية

يبدو أن الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية أضحى ممتداً من ناحية، فضلاً عنه أنه بات من ناحية أخرى يأخذ منحى دائري الحركة في تتابع لا ينقطع، طالما ظلت إشكالية التوفيق بين منظومة القيم السياسية العليا متفاقمة ودون حل،

خاصة بين الحرية من ناحية وبين المساواة والعدالة من ناحية أخرى، ولعل في الانتكاسة الراهنة التي تواجه ما كان يُعرف، حتى وقت قريب، بنموذج اليسار الجديد الذي أبدعته دول أمريكا اللاتينية عقب سقوط الاشتراكية السوفييتية والأوروبية الشرقية ما يؤكد ذلك.

ظهور هذا اليسار اللاتيني الجديد بنماذجه المتعددة كان بمثابة انتفاضة مضادة لما أخذ يروجه الفكر السياسي الأمريكي من ادعاءات بالانتصار الساحق للرأسمالية على الاشتراكية، عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وتساقط الدول الاشتراكية الموالية في أوروبا الشرقية. فعقب صدور مؤلف «نهاية التاريخ» لصاحبه فرانسيس فوكوياما أستاذ العلوم السياسية الأمريكي الشهير (من أصل ياباني) الذي اعتبر فيه أن سقوط الاشتراكية أو هزيمتها يعد انتصاراً نهائياً للرأسمالية وتسيّدها كأيديولوجية وركيزة للحكم، تم دحضه عملياً بظهور نماذج اشتراكية جديدة في العديد من دول أمريكا اللاتينية تباينت فيما بينها في نسبة المزج بين الاشتراكية والرأسمالية، بين المساواة والحرية، مع حرص على الحفاظ، قدر الإمكان، على روابط وثيقة مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية للنظام الرأسمالي العالمي. كانت فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا على اليسار من هذه التجربة، حيث قدّم الرئيس الراحل هوغو تشافيز نموذجاً أكثر تحرراً من الروابط بالنظام الرأسمالي ودخل في صراع مع الولايات المتحدة، ولجأ إلى تأميم الثروات الوطنية كأساس لتجربة الاشتراكية، في حين كانت البرازيل والأرجنتين على اليمين من هاتين التجربتين، كانتا الأحرص على التمسك بروابط العلاقة مع الولايات المتحدة والاندماج في الاقتصاد العالمي وتحقيق الديمقراطية الحقيقية التي ترتقي بالمستويات المعيشية للقطاعات الأوسع من الشعب.

هذه التطورات أخذت تشكل الدورة المتكاملة من التفاعلات بين الرأسمالية والاشتراكية. فمع انشغال الولايات المتحدة بحربها الباردة ضد الاتحاد السوفييتي ركزت ضمن أولوياتها، على الحيلولة دون تمدد النفوذ السوفييتي عبر كوبا إلى دول أمريكا اللاتينية، لذلك أعطت كل الأولوية لدعم نظم ديكتاتورية موالية بهدف الحفاظ على هذه الدول كفناء خلفي أو كحديقة خلفية خالية من أي نفوذ سوفييتي..

فمع سقوط الاتحاد السوفييتي لم تعد واشنطن تخشى من امتداد نفوذه قرب حدودها، فتركت المنطقة أسيرة تفاعلاتها الداخلية دون تدخل فعلي، وأعطت كل الأولوية للتمدد في القارة الأوروبية على حساب النفوذ السوفييتي المتداعي، وساهمت التحولات الديمقراطية التي شهدتها بعض دول القارة اللاتينية في تمكين القوى اليسارية من اكتساب القوة اللازمة لفرض التغيير وإحداثه، سواء عبر تحولات ديمقراطية أو انقلابات ثورية أطاحت النظم العميلة الموالية لواشنطن.

جاء التحول في أمريكا اللاتينية مزدوجاً، فهو من ناحية كان تحولاً نحو اليسار وظهور ميول جادة لخلق إبداع اشتراكي جديد، وهو من ناحية أخرى كان تحولاً في غير صالح علاقة «الزواج الكاثوليكي» السابقة بين الولايات المتحدة ودول القارة اللاتينية منذ «مبدأ مونرو» الشهير الذي أقر، ليس فقط بفرض النفوذ الأمريكي المطلق على دول هذه القارة. وإذا كان الكثير من هذه الدول، وفي مقدمتها بالطبع البرازيل، قد استطاعت تحقيق نجاحات اقتصادية مبهرة، فإنها نجحت أيضاً في إحداث انقلابات سياسية في علاقاتها مع القوى الدولية ضد الاحتكار الأمريكي.

دخول البرازيل في مجموعة «بريكس» مع روسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا جعلها في مرمى الجهود الأمريكية لإسقاط الثورة واليسار في أمريكا اللاتينية، خاصة بعد مجموعة السياسات والإجراءات التي اتخذتها «بريكس» في مواجهة الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.

ظهور «بريكس» كان عامل استفزاز شديد لواشنطن، خصوصاً على ضوء العضوية البارزة للبرازيل في هذه المجموعة الاقتصادية العالمية العملاقة، لكن كان للبرازيل نفسها سياسات أشد وطأة على واشنطن، سياسات اقتصادية ضربت الهيمنة الأمريكية ومرتكزات التبعية للولايات المتحدة في العمق وخاصة الاحتكارات الأمريكية وعملاءها المحليين، ثم جاءت تحديات الرئيس شافيز في فنزويلا للولايات داخل منظمة «أوبك»، ومن بعده سياسات الرئيسة الأرجنتينية «كريستينا كوشنر» التي أهانت السياسة الأمريكية من على منبر الأمم المتحدة وأعلنت انحيازها للشعوب المقهورة، خاصة الشعب الفلسطيني والشعب العراقي، واتهمت الولايات المتحدة بدعم الإرهاب، بل هي من خلق الإرهاب وخاصة تنظيم «القاعدة». تحديات دفعت واشنطن إلى السعي لإسقاط اليسار اللاتيني الوليد ونجاحاته. مات شافيز وأسقطوا كريستينا كوشنر في انتخابات قادها الإعلام الأمريكي في ديسمبر الماضي، والآن يجري إسقاط الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف خليفة الزعيم لولا دا سيلفا الذي قاد انتصارات حزب العمال البرازيلي ونموذجه الاشتراكي الجديد.

موجة جديدة من الانقلابات الأمريكية أقرب إلى القصاص من اليسار اللاتيني، لكنها استكمال لدورة ممتدة قد تكون انتكاسة مؤقتة تنبئ ﺑ«بعث جديد» لليسار في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم في مواجهة رأسمالية وليبرالية أمريكية تتداعى.

مقالات مشابهة

Facebook Comments