الكيان الصهيوني يواجه أسئلته الصعبة

الكيان الصهيوني يواجه أسئلته الصعبة

رغم التأكيدات التي باتت ترجح أن مجمل الأحداث والتطورات التي تواجه العالم العربي في السنوات الأخيرة، تعمل كلها في صالح الكيان الصهيوني الذي يسعى بدأب لتوظيف كل نتائج هذه الأحداث والتطورات لصالحه ، ومنها تدمير الجيوش والقدرات الاستراتيجية، خاصة في حالات مثل العراق وسوريا وليبيا، إلا أن هذا المشهد يخفي حقائق أخرى لا تقل أهمية، أبرزها أن الكيان الصهيوني يواجه تهديدات، ومصادر تهديد داخلية، ربما توازن أو تزيد على كل ما يطمح إلى تحقيقه من محصلة الأحداث والتطورات العربية.

فالكيان الصهيوني أخذ يواجه تحدياً، لم يكن يتوقعه، يتعلق بتداعي وظيفته التاريخية كحارس للمصالح الأمريكية على وجه الخصوص، ومصالح الغرب على وجه العموم في إقليم الشرق الأوسط. أسباب تداعي هذه الوظيفة لها علاقة مباشرة بما يعتقد أنها مكاسب يجنيها من تدميره للقدرات الاستراتيجية للعرب.

وسؤال هل ما زالت «إسرائيل» قادرة على حماية المصالح الأمريكية؟ له علاقة بسؤال آخر لا يقل أهمية هو: هل الولايات المتحدة ما زالت في حاجة إلى الدور «الإسرائيلي» في ظل تراجع الاعتماد الأمريكي على نفط الشرق الأوسط؟، وفي ظل تحول أولوية الاستراتيجية الكونية الأمريكية نحو الشرق الأقصى بدلاً من الشرق الأوسط؟.

أحد مظاهر جدية هذا السؤال الخلافات المثارة الآن بين الإدارة الأمريكية وحكومة الكيان الصهيوني حول مذكرة التفاهم للمعونة العسكرية الأمريكية في العقد المقبل. وكانت المفاوضات من أجل إبرام اتفاق تلك المعونة قد بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، حيث عرض الرئيس الأمريكي باراك أوباما على بنيامين نتنياهو بدء المفاوضات قبل نصف عام من ذلك، إلا أن نتنياهو رفض ومنع المفاوضات في إطار محاولته منع إبرام الاتفاق النووي مع إيران. وقد شهدت الأشهر الأربعة الماضية، على وجه الخصوص توترات شديدة بين الطرفين بسبب رفض «إسرائيل» الاشتراطات الأمريكية، وعلى رأسها إنهاء القاعدة التي كان معمولاً بها في السابق وكانت تقضي بالسماح ل«إسرائيل» بإنفاق 40% من مبلغ المعونة في شراء معدات «إسرائيلية» أو بالتحديد إنفاقها في سلع جرى تصنيعها «إسرائيلياً»، كان هذا المبلغ يصل إلى حوالي 1,2 مليار دولار من إجمالي المعونة البالغ 3 مليارات دولار، وكان ذلك يعد تشجيعاً للصناعات العسكرية «الإسرائيلية». الآن ترفض الإدارة الأمريكية مطلبين «إسرائيليين»، أولهما: رفع القيمة الإجمالية للمعونة إلى 4 مليارات دولار، والإبقاء على قاعدة ال40% تلك التي يجري إنفاقها على معدات وصناعات «إسرائيلية»، حيث تصر الإدارة الأمريكية على إنفاق المعونة العسكرية الأمريكية كلها في شراء معدات وبضائع أمريكية أي مصنوعة داخل الولايات المتحدة وليس داخل «إسرائيل»، والدافع بالطبع هو أولوية المصالح الأمريكية على أية مصالح أخرى بما فيها مصالح «إسرائيل»، وهذا تحول شديد الأهمية في مجرى العلاقات الأمريكية- «الإسرائيلية».

هناك تهديد داخلي آخر ينافس تهديد الدور أو الوظيفة التاريخية للكيان الصهيوني، الذي بات مطالباً أن يحدد من جديد أسباب وجوده أو بالأحرى تبرير وجوده من منظور مصالح حلفائه.

التحدي الذي نعنيه هو تحدي تعريف الهوية «الإسرائيلية» في ظل تفاقم معدلات الهجرة العكسية إلى خارج الكيان، وفي ظل تفاقم النزعة العنصرية ضد اليهود الشرقيين، وفي مقدمتهم يهود إثيوبيا الذين بدأوا يتحركون بحثاً عن حقوقهم. فسؤال هل اليهودية دين أم قومية؟ أخذ يفرض نفسه بحدة في السنوات الأخيرة مع تزايد دعوة القومية الدينية إلى تحويل «إسرائيل» أو بالأحرى فرصة «إسرائيل» كدولة يهودية، وتثبيت شرعية الدولة اليهودية في كل أراضي فلسطين التاريخية.

أصحاب هذه الدعوة أصبحوا قوة لا يستهان بها الآن داخل الحكومة وداخل الكنيست، وهم يروجون لأكذوبة أن «المطلب الصهيوني بدولة يهودية في بلاد «إسرائيل» لا يحتاج إلى إقرار». وفي مقابل هؤلاء هناك من يرفضون أن اليهودية قومية، وأن اليهودية دين فقط.

الصراع بين هاتين الرؤيتين مرشح للتفاقم ويزداد خطره مع تزايد العدوانية العنصرية ضد اليهود الشرقيين، وهي عنصرية تنهي أي مصداقية لأكذوبة «القومية اليهودية»، وتضع تحديات أمام طموحات دعاة القومية اليهودية، وطموحاتهم لتهويد وضم كل الضفة الغربية.

تأتي الصراعات الداخلية بين الجيش والحكومة، وتزعزع ثقة الجمهور في الجيش على حد تعبير رئيس الأركان الجنرال غادي ايزنكوت لتفاقم من المخاطر الداخلية، خاصة في أعقاب فضيحة الطائرة الروسية «بدون طيار» التي اخترقت منذ شهرين المجال الجوي لهضبة الجولان السورية المحتلة، ولم تفلح «الدرع الصاروخية «الإسرائيلية» في إسقاطها.

تطورات وتحديات باتت تشغل العقل الاستراتيجي «الإسرائيلي» تؤكد أن الكيان لا يعيش عصر تألقه، بل ربما يكون العكس أنه بدأ يواجه أسئلته الحقيقية، وخاصة سؤال: «إسرائيل» إلى أين؟

مقالات مشابهة

Facebook Comments