النيوليبرالية و منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع

النيوليبرالية و منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع

ان تبعات توسع اقتصاد السوق سواء عبر الاستعمار المباشر او العولمة، لا تنحصر في النظرة الكلاسيكية لآثار الخصخصة و تحرير الاقتصاد المدمرة من التوسيع الفج للهوة الطبقية و الافقار لأغلب شرائح المجتمع، و ليست ايضا في الثقافة الرأسمالية المعلبة التي تحرص على انعاش ثقافة التسليع و الاستهلاك.

ان الامتداد الاخطر لتبعات تحرير أي اقتصاد هي في تغيير نمط التعامل بين الافراد و المجتمعات فيما بينهم، حيث تمتد ادوات تعاملات السوق من عرض و طلب و حساب الربح و الخسارة الى التعاملات الانسانية البحتة. فتصبح مجموعة القيم التي تشكل المحتوى الثقافي لأي مجتمع كالكرم و الإيثار و الشجاعة و الأنفة وغيرها خاوية القيمة و محكومة بحسابات الربح و الخسارة و غيرها من معاملات السوق، فأمسى الدافع للكرم مثلا هو تحصيل مقابل له على المديين القريب و البعيد وليس الكرم بذاته كقيمة فاضلة تشكل هوية وشخصية الشخص و تنسجم مع وجدانه.

ولذا لعله من ابرز الابعاد الجمالية في الفعاليات الدينية و القبلية الجماعية في أي بقعة كانت هو انتعاش مسألة تبادل القيم الاخلاقية حيث تشهد هذه المحافل حالة سامية من التعاملات بين البشر دون أي حالة من الانتهاز و النفعية، و ان كانت هذه المحافل و خصوصا الدينية تعبير عن معاملة ربح و خسارة حيث ان التضحية في هذا العالم له “اجر” و ربح في عالم الاخر الا ان هذا الامر لا ينعكس على المضامين الاجتماعية في الواقع. و انطلاقا من هنا ترتسم حالة من الجهل لدى الكثيرين في الوصف الاعتباطي في اغلب الاحيان لمثل هذه المحافل بـ”الرجعية” و عدم التحضر و كأن الحضارة هي الرأسمالية و الحالة الفردانية حصرا.

إن رؤية الكثيرين بأن حالة تحرير السوق و تبني سياسات نيوليبرالية تعبر عن الوسيلة المثلى لتدمير الروابط الاجتماعية ما قبل الحداثية سواء كانت دينية او قبلية تغفل بشكل واعي او غير واعي بأن هذه الوسيلة لا تحصر تدميرها لهذه الروابط الاجتماعية فقط بل تشمل تغيير المنظومة الثقافية و القيمية برمتها مشكلة قطيعة مع الامتداد التاريخي للمجتمع.

و بناء على كل هذا تشكل الطبقة البرجوازية في كل مجتمع و امة حزمة من الافراد تتطلع للارتباط اكثر فأكثر مع امركز الرأسمالي في الغرب  فتنحصر تعاملها البشرية عبر المنظور التجاري، و حتى الخيط الرفيع من الاحتفاظ برمزيات ثقافية محلية دافعه خصوصية السوق المحلي نفسه. و اضافة الى ذلك يمحى لدى هذه الطبقة على وجه الخصوص أي منظومة قيمية، و تبدأ بالنظر للعالم من موقعها في السوق العالمي و كيفية لعب دور اكبر فيه مع اختفاء تام لأي قيمة وجدانية كالأنفة و العزة و الكرامة فيشكل مثلا موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني وبما يشكل كبوابة لرضى العالم الغربي هدفا و “مصلحة وطنية” لان الوطن يختزل في الاخير الى تركيبة من الشركات و المؤسسات المالية التي تسعى للحصول على  تنافسية اكبر في السوق العالمي.

و من هنا تكون الحاجة للعمل على بناء صيرورة ذاتية مستقلة لتدمير الروابط الدينية و القبلية عبر السمو بها لحالة ثقافية اوسع لا تنقطع مع ماضيها الحضاري ويكون هذا البناء غير منفصل بل يتكامل مع تنمية اقتصادية مستدامة و مستقلة.

مقالات مشابهة

Facebook Comments