المشروع السيادي الشعبي: الطريق البديل للعولمة الليبرالية – الجزء الأول

المشروع السيادي الشعبي: الطريق البديل للعولمة الليبرالية – الجزء الأول

سمير أمين

______________________________________________________________________

توطئة

ان الرأسمالية العالمية التي يعمل بها اليوم عبارة عن مصفوفة معقدة من الدول (امم ذات سيادة من حيث المبدأ) و شعوب مختلفة سواء كانت متجانسة ام لا،  بالإضافة الى طبقات اجتماعية شُكلت عبر الصراع بين الطبقة العاملة و رأس المال المتأصل في النموذج الرأسمالي للإنتاج. و بناء على ذلك، فإن الصراع بين الدول و الكفاح الطبقي أمران متشابكان عبر علاقة وثيقة من الترابط المتبادل، حيث  ان هذا الترابط المتبادل للنضالات الاجتماعية في دول عدة في العالم يعتمد على كيفية استغلال كتل الهيمنة لكل امكانياتها و وسائلها في الساحة الدولية، و لذلك فإن النجاح هنا في بناء مشاريع بديلة يعتمد بشكل كبير على القيم الاجتماعية و السياسية التي تقوم عليها.

ان هذا البحث يجادل على ان تعاون الأمم المستقلة على أساس مشروع سيادي شعبي يشمل الاكتفاء الذاتي الصناعي و الأمن الغذائي و الديمقراطية الشعبية هو شرط أساسي و مسبق لأي تحرك خارج نظام الهيمنة و الإمبريالية الدولي الحالي.

________________________________________________

 إن عدم تحديد السياق الطبقي لاستراتيجية السيادة الوطنية و للإطار الذي تعمل من خلاله صعد من سوء الفهم الكبير لإشكالية القبول بهذه السيادة من عدمه، حيث ان الكتل الاجتماعية المهيمنة في المجتمعات و البلدان الرأسمالية دائما ما تستخدم السيادة الوطنية كأداة لتعزيز مصالحها الطبقية، عبر الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة في داخل هذه البلدان و يكون ذلك بالتزامن مع توطيد موقعها في النظام العالمي.

 في وقتنا الحالي و في سياق النظام الليبرالي المعولم المسيطر عليه من قبل الاحتكار المالي للتجارة لكل من الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان، فان السيادة الوطنية ماهي الا اداة تعمل من خلالها الطبقات الحاكمة للحفاظ على تنافسيتها داخل هذا النظام نفسه.

 و تشكل حكومة الولايات المتحدة أوضح مثال للتطبيق العملي لاستغلال هذه السيادة الوطنية كأداة، حيث تعتبر ان السيادة هي الحفاظ على الرأسمال الاحتكاري الامريكي و لذلك يعطى للقانون الداخلي الأمريكي السمو القانوني على نظيره الدولي، و هذا هو الحال ايضا للقوى الامبريالية الاوروبية التقليدية في الماضي و يستمر ذلك الى يومنا الحالي عبر القوى الاوروبية الحالية المشكلة للاتحاد الاوروبي.

و مع اخذ ذلك بالاعتبار فإن لنا ان نعي كيف للخطاب القومي و الثناء على فضائل السيادة ان يخفي المصالح الطبقية خدمة للمرتبطين بها، وكيف ان هذا الخطاب كان مرفوضا دائما من قبل المدافعين عن الطبقات العاملة. و مع ذلك فإنه علينا ان لا نقلل من دفاعنا عن مبدأ السيادة الوطنية و نحصر التعبير عنها فقط على طريقة الخطاب القومي للطبقة البرجوازية، حيث ان الدفاع عن السيادة لا يقل اهمية عن الدفاع عن البديل الشعبي الذي يوصلنا الى الاشتراكية و كذلك ان هذا الدفاع يشكل شرطا لا مهرب منه للوصول الى هذا الاتجاه الاشتراكي.

و يرجع سبب استحالة تغيير النظام العالمي و فرعه الاوروبي من الأعلى الى القرارات الجماعية للطبقات الحاكمة، حيث ان أي  تقدم في اتجاه تغيير هذا النظام دائما ما يكون عبر توجه غير متساوي من النضالات المتنقلة من دولة الى اخرى. لذلك فإن التغيير في هذا النظام العالمي يكون نتاجا للتغيرات التي تحدث داخل اطار الدول التي تشكل ميزان القوى داخل الاطار الدولي. و انطلاقا من هنا تشكل الدولة الوطنية الاطار الوحيد الذي يمكن من خلاله انشاء صراعات و نضالات سوف تؤدي في نهاية المطاف لتغيير العالم.

ان شعوب اطراف هذا النظام العالمي المستقطبة بطبيعتها لها خبرة طويلة في بناء ذلك الفكر القومي التقدمي المناهض للإمبريالية و رفض النظام العالمي الذي تفرضه المراكز، و بالتالي انه من المرجح ان تكون شعوب هذه الاطراف معادية للرأسمالية. و نقول من المرجح هنا لان القومية ايضا بإمكانها ان تلهم الوهم بإنشاء نظام رأسمالي يستطيع اللحاق بالمراكز الرأسمالية القيادية.

 ان القومية في الاطراف تقدمية تحت هذا الشرط فقط وهي ان تكون معادية للإمبريالية أي بأنها تتعارض مع النظام الليبرالي العالمي، و ان اي شكل اخر من اشكال القومية التي تقبل بالنظام الليبرالي العالمي هي عبارة عن أداة بيد الطبقات الحاكمة المحلية و التي تهدف الى المشاركة في استغلال شعوبها و اي من الشركاء الأضعف و بالتالي فهي تعمل كإمتداد لإمبريالية القوى العظمى و فرعا لها.

ان الخلط بين هاذين المفهومين المتضادين للسيادة الوطنية و الذي ينتج عنه رفض اي شكل من أشكال الفكر القومي يلغي و بشكل تام امكانية الخروج من النظام الليبرالي العالمي، و لسوء الحظ فان اغلب التيارات اليسارية في اوروبا و أماكن عديدة اخرى قد وقعوا ضحية لهذا الخلط.

الرأسمالية العالمية الحالية امبريالية بطبيعتها

ان التنوع و الاختلاف في الطبيعة الاجتماعية و السياسية في الدول المشكلة للنظام العالمي امر نابع من اختلاف أشكال النهضات و التطورات المحددة للتوسع العالمي للرأسمالية و التي هي ايضا خاضعة لمطالب التراكم في مركز النظام  الرأسمالي نفسه. و علاوة على ذلك، فإن تاريخ نشأة كل من هذه الدول سواء كانت مهيمنة او مهيمن عليها يتأثر بصفات و سمات فريدة لها علاقة خاصة بكل دولة على حدى، و على هذا النحو فإن الطبقات و الكتل المهيمنة مكنت الرأسمالية من تأكيد سطوتها و لكن في المقابل حاول -او أقامه- ضحايا الرأسمالية إقامة نظام لمواجهة التحديات المفروضة من قبل الرأسمالية و لطالما كانت هذه المحاولات تأخذ اشكال مختلفة من دولة لدولة و من فترة زمنية الى اخر.

 إن هذه التطورات و التفاعلات شكلت ثقافة سياسية محددة و اقامت بطريقتها الخاصة نظام قيم و تقاليد لأشكال مختلفة من التعبير السياسي و التنظيم و النضال و تعتبر هذه الاختلافات موضوعية تماما كالثقافات التي تتمظهر من خلالها.

اخيرا، ان تطور القوى المنتجة من خلال ثورة علمية تكنولوجية تؤطر مضمونها فُرضت عبرها تغيرات في تنظيم العمل و اشكالا مختلفة من تكيف هذه القوى لاحتياجات الاستغلال الرأسمالي. و لذلك تمنع كل هذه الحقائق جميع العوامل السياسية المؤدية الى صراع يكون طرفيه البرجوازية في مقابل البولتاريا.

ان الرأسمالية كمبدأ قائمة على تكامل ثلاثة أبعاد و هي سوق السلع و الاسواق المالية و سوق العمل، و لكن الرأسمالية القائمة حاليا و المشكلة للنظام العالمي قائمة بالاعتماد فقط على التوسع العالمي للسوق ببعديه الأوليين (سوق السلع، و الأسواق المالية)، حيث ان البعد الثالث و هو  اقامة سوق عمل عالمي حقيقي يعوقه استمرار الحواجز السياسية للدولة على حساب العولمة التي هي (أي العولمة) على هذا النحو محدودة دائما. و لهذا السبب فان الرأسمالية القائمة حاليا مستقطبة بالضرورة على الصعيد العالمي و ان التطور الغير المتكافئ الذي تولده هو التناقض الأعنف و المتزايد في العصر الحديث و الذي لا يمكن التغلب عليه في اطار هذا المنطق الرأسمالي نفسه.

ان مسألتي التنمية و التخلف “عدم التنمية” هما وجهان لحقيقة واحدة و هي الرأسمالية العالمية، و لا يوجد أي أساس علمي للخطاب المهيمن الذي يربط بين الرأسمالية و الرفاهية و الترف في دول المركز و يوصف غيرها -الدول النامية- كدول متخلفة. و لذلك دائما ما كانت نضالات حركات التحرر الوطني و شعوبها في الاطراف (اطراف النظام العالمي) و بشكل موضوعي في صراع مباشر مع المنطق الرأسمالي، حيث كانوا معادين للنظام اي (معادين للرأسمالية) بدرجات مختلفة تعتمد على ضمير الفاعلين في هذا التحرك و كذلك راديكالية مشاريعهم.

ان هذه الحالة تدعوا الى انتقال طويل الأمد الى اشتراكية عالمية، و اذا كانت الرأسمالية اقامت اساسا اقتصاديا و مجتمعا عالميا فهي غير قادرة على تحمل عبء منطق العولمة حتى النهاية. و بالنسبة للاشتراكية والتي تصور مستوى اعلى من الانسانية تستطيع أن تكون عالمية و مع ذلك فإن بناءها يجب ان يمر عبر انتقال تاريخي طويل عبر تبني استراتيجية تناقض المنطق الرأسمالي العالمي.

ان في تمظهر الاشتراكية العالمية و مبدأيها السياسي و الاجتماعي الاستراتيجيين يدللان على ان الانتقال الطويل يدعوا الى انشاء مجتمع شعبي قومي لا غنى عنه يرتبط بالاقتصاد الوطني، ان إنشاء هكذا مجتمع امر متناقض في جميع النواحي مع الرأسمالية فهو يربط الصفات و المعايير الرأسمالية و المؤسسات و الاساليب التشغيلية بالتطلعات الاصلاحية الاجتماعية المناقضة لمنطق و جوهر الرأسمالية العالمية، و هو يرتبط ايضا مع التعرض الخارجي للمد المعولم (المسيطر عليه قدر الإمكان) لحماية المطالبات بتحول اجتماعي تقدمي و الذي يتعارض بدوره مع المصالح الرأسمالية المهيمنة.

تقوم الطبقات الحاكمة و بسبب طبيعتها التاريخية بصياغة رؤيتها و تطلعاتها داخل اطار الرأسمالية القائمة بالفعل، و بشكل واعي او غير واعي تخضع استراتيجياتها لقيود التوسع الرأسمالي العالمي. و لهذا لا تستطيع هذه الطبقات تصور فك الارتباط عن الرأسمالية. و لذلك يجب على الطبقات الشعبية ان تستوعب و تسلم بهذه الطبيعة كلما حاولت استخدام القوة السياسية لتغيير احوالها و تحرير نفسها من العواقب اللاإنسانية التي تتعرض لها جراء الاستقطاب و التوسع الرأسمالي.

 ان تقييم الخيارات الاستراتيجية لسياسات الجماهير و الحكومات في الجنوب العالمي ينبغي ان يأخذ بعين الاعتبار الاقتراح التالي: ان التطلع الى أي خيار انمائي داخلي خاص و مستقل امر لا بد منه. فتاريخيا كانت للرؤية الإنمائية الداخلية (الاكتفاء الذاتي) سمة محددة وهي عبارة عن عملية تراكم لرأس المال في البلدان الرأسمالية المركزية, و هذا الامر كان مشروطا للدول و الكيانات الناتجة من هذه التنمية الاقتصادية التوسعية و التي تسيطر عليها بشكل اساسي ديناميكيات العلاقات الاجتماعية الداخلية و تسيرها للعلاقات الخارجية في خدمتها. و في دول الاطراف من ناحية اخرى كانت عملية تراكم رأس المال تستمد اساسا من تطور بلدان المركز و بطريقة تعزز مسألة الاعتماد على الغير.

 تستند ديناميكيات التنمية الداخلية الى صياغة رئيسية و محددة تربط بين نمو انتاج السلع من اجل الانتاج و انتاج السلع للاستهلاك الواسع و الهائل. ان هذه الصياغة تتماشى مع العلاقة الاجتماعية التي يتم تأسيسها من قبل الكتلتين الرئيسيتين للنظام اي البرجوازية الوطنية و القوى العاملة.

 ان اقتصادات التنمية الداخلية ليست كيانات محايدة في حد ذاتها بل على العكس من ذلك فهي مفتوحة بشكل كبير حيث انها تشكل النظام العالمي بأكمله من خلال تدخلها السياسي و الاقتصادي في الساحة الدولية. و في الجانب الأخر فان ديناميكية رأسمالية الاطراف – وهي بالتعريف عبارة عن رأسمالية مركزية تعمل ضمن الاطار الحدودي فقط-  تستند الى صياغة رئيسية اخرى فتضع جنبا الى جنب القدرة على التصدير من جهة و استهلاك اقلية معينة سواء “للإنتاج المحلي او المستورد”، و يحدد هذا النموذج الكومبودارية التي تتعارض بطبيعتها مع البرجوازية الوطنية في دول الطرفية. و يؤدي هذا التناقض بين النموذجين الى توجه مختلف في مسألة اندماج دول المركز، حيث ان قوى معينة جاذبة تسيطر على التراكم الاقتصادي الداخلي من جهة، و من جهة اخرى يهدد التفكك الدول الطرفية بسبب التراكم المستقل المركزي الذي بدوره تشجعه السياسات الامبريالية التي تدافع عنه بعنجهية و ساخرة مع ذرائع حق التدخل تحت عناوين حقوق الانسان او تقرير المصير.

هذه الترجمة هي للجزء الأول من ورقة الباحث المصري سمير أمين بعنوان “المشروع السيادي الشعبي: الطريق البديل للعولمة الليبرالية” المنشورة في مجلة <العمل و المجتمع> بتاريخ الثامن و العشرين من مارس من عام 2017.

المصدر: http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/wusa.12276/abstract

مقالات مشابهة

Facebook Comments