هل يحتاج الإسلام لـ«إصلاح بروتستانتي»؟

هل يحتاج الإسلام لـ«إصلاح بروتستانتي»؟

في الندوة الأخيرة من ندوات موسم «أصيلة» كان الموضوع المطروح هو «الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية»، وكان من الطبيعي أن يكون تحدي الإصلاح الديني في الإسلام من الاهتمامات الرئيسية للمتحاورين في هذا اللقاء الفكري المتميز. والحال أن المقارنة مع الإصلاح الديني في المسيحية كثيراً ما ترد على الألسن، أليس هذا الإصلاح الذي بدأ في القرن السادس عشر، هو الذي مهد لعصور الحداثة والتنوير، وأخرج أوروبا الوسيطة من الحروب الأهلية والجمود العقلي والاستبداد السياسي؟ تلك أطروحة سائدة في الدراسات الاجتماعية، وقد ركزها عالم الاجتماع الألماني الكبير «ماكس فيبر» في نظريته الشهيرة حول علاقة الروح البروتستانتية بنشأة الرأسمالية الحديثة. ومع انبثاق ما يدعى عادة بالإصلاحية الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت المقارنة بين جهود الإصلاحيين المسلمين في العقيدة والفكر والتراث الإصلاحي المسيحي حاضرة في الأذهان، بيد أن هذه المقارنة لا تستقيم من أوجه عديدة، سواء تعلق الأمر بالسياق أو الاتجاهات والمفاهيم والآراء والأفكار.

وبالرجوع إلى كتابات الإصلاحيين المسيحيين وفي مقدمتهم «كالفن»، يتبين أن الهدف المحوري الذي وجههم هو الوقوف ضد السلطة المؤسسية لكنيسة روما في نقاط ثلاث أساسية هي: أولوية السلطة البابوية روحياً وسياسياً على السلطة المدنية، الهيمنة الروحية للبابا على الحقل الديني، احتكار السلطة الكنسية حق تأويل النص المقدس، وما يترتب عليه من مسلك الخلاص الفردي.

الغالب إذن على كتابات الإصلاحيين المسيحيين، هو الحديث عن فساد الكنيسة واستبدادها والدعوة إلى الرجوع إلى النص في قراءة مباشرة حرة لدرء التحريفات التي علقت به، دون أن يكون الهم التحديثي في دلالته الفلسفية حاضراً في هذا الخطاب، الذي يعلي من شأن «الدعوة والتبشير» المباشر في مقابل الدور التوجيهي والتأويلي للمؤسسة الدينية. وإذا كانت البروتستانتية عرفت في بعض السياقات نشوء حركات احتجاجية عنيفة، فإن التوجه الأساسي الذي طبعها هو العزوف عن العمل السياسي، ورفض ثنائية السلطة الروحية والدينية، بما يفسر بحاجة الأقليات البروتستانتية إلى حماية الدولة التي ترى فيها التعبير الموضوعي عن «مملكة الرب الأرضيّة». لا علاقة للإصلاحية الإسلامية بهذا الجدل حول سلطة التأويل وتحكم المؤسسة الدينية، بل إن الهدفين اللذين انتظما توجه النهضويين العرب هما: كيف يمكن وضع منهج تأويلي دقيق ينعقد عليه إجماع الأمة المشتتة في أصول اعتقادها وتشريعها؟ وكيف يمكن بناء دولة قوية ومتماسكة تكون لها مؤسسة دينية صلبة تساهم في تركيزها وتوطيد شرعيتها؟

التحدي الذي واجهه الإصلاحيون المسلمون هو ضعف البناء المؤسسي للحقل الديني، وجمود هذا الحقل المتأتي من عبء الموروث الثقافي، الذي هو حصيلة التركة التأويلية الكثيفة للنص الشرعي في تنوعها واختلافها، ومن هنا الحاجة إلى إعادة بناء الدولة لتقويم هذا الحقل وتنشيط مشروع الإصلاح الديني الذي يحتاج لسلطة راعية. ومن هنا ندرك كيف وظف النموذج المقاصدي الأصولي تأويلياً في مشروع تأسيس مدونة منهجية متناسقة وصلبة بديلة عن مناهج التراث الفقهي المتنوع، لا لمجرد تحرير ودفع الاجتهاد والتأويل وإنما بحثاً عن مرجعية نسقية موحدة، وفي الاتجاه نفسه ندرك الميل لنبذ المنظومة الكلامية المتشعبة واستبدالها بعقيدة دنيا مشتركة ينعقد حولها إجماع الأمة، إنه نفس الهدف الذي يفسر الاتجاه إلى القولبة القانونية للشريعة، وإلى مأسسة الحقل الديني قضاء وإفتاء وتعليماً.

ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن الخيار الإصلاحي هو الخلفية التي استندت إليها الدولة الوطنية العربية الحديثة في تدبيرها للحقل الديني، الذي سار غالباً في اتجاه المأسسة والتعقيد القانوني، بما أفضى إلى إضعاف التقليد التراثي، في الوقت الذي ركب الإسلام السياسي موجة «الإصلاح الديني» وانتهى إلى نموذج الحركات البروتستانتية الاحتجاجية والعنيفة التي عانت منها أوروبا طويلاً.

في كتابه «السنة والإصلاح» ذهب المفكر المغربي «عبد الله العروي» إلى أن مأزق الفكر الإصلاحي عائد إلى قدرة التقليد (الذي يطلق عليه تسمية السنة) على إعادة إنتاج نفسه من خلال آليات التكيف والتكرار والمطابقة التي تموه الاستحقاقات التاريخية للتجديد والقطيعة، بيد أنه لم يقف عند ما يتسم به حالياً التقليد من هشاشة وتآكل نتيجة لضعف وهشاشة البناء المؤسسي للحقل الديني، بحيث لم تعد آليات التكيف المذكورة قادرة على حمايته وصيانته.

مقالات مشابهة

Facebook Comments