في الظاهرة الدينية

في الظاهرة الدينية

قد يبدو كافياً، لوهلةٍ أولى، أن نعرِّف الدين (الإسلام مثلاً) بأنه، ابتداء، تلاوة الشهادتين وأنه منظومة تعاليم كتابية ترسُم للمخاطَبين بها سُبُل الهداية والنجاة، تزوِّدهم بالحقائق المطلقة التي لا سبيل إلى عِلمها إلاّ من طريق خبر الوحي (وجود الله، والملائكة، واليوم الآخر)، وتُبيِّن لهم الجائز والمحظور، والعبادات والأخلاق الحسنة، وتنهاهم عن المنكَرات والفواحش.. وكلّ ذلك ابتغاء الفوز بالجزاء العظيم. ومنظومة التعاليم هذه، ليس فيها، نظرياً، من التعقُّد ما يَحْمل على استصعاب مضمون رسالتها. غير أن الأمر ليس بهذا التبسيط الذي يوحي به تعريف الدين أو، قُل، الذي يوحي به تعريفُه من حيث مضمون تعاليمه المثبَتَة في نصّ القرآن، وبيان ذلك أنّ التعاليم تلك يتلقّاها مؤمنون متفاوتون في مَلَكات الفهم تفاوتاً تتأثر به فهومُهم (لها)، ويخوض فيها علماؤهم بالدين فيتناولون مستوياتها المختلفة بالدَّرس والتَّجلية، وينصرف قسم منهم إلى تفسير النصّ ومحاولة كشف غوامضه، فيتكوّن من ذلك تراث اجتهادي لا سبيل إلى تجاوُزه أو إخراجه من حيِّز الدين. وإلى ذلك فإنّ المسلمين وعلماءَهم يتلقّون تعاليم الدين في شروط، مكانية وزمانية ونفسية واجتماعية، متغيرة ومتنوعة، فيتأثر فهمهم بأحكام الشروط تلك. ولكنّ الأهمّ من هذا ومن ذاك أن دينَهم، الذي تعود إليهم مُلكيتُه، يدخل في سيرورةٍ من التمأسُس: الديني والاجتماعي والسياسي، فتتكون على حواشيه أجسام اجتماعية تعيش منه تحت عنوان حراسته وصونه، ثم لا يلبث النزاع أن ينشب على حقّ النطق باسمه بين فرقاء عديدين يختلفون في النظر إليه، فينعكس خلاف المختلفين على جموع المؤمنين الذين، بالتَّبِعة، ينقسمون من جماعة واحدة إلى مذاهب شتى.

هذه سيرورة موضوعية شاملة الأديانَ كافة. وهي تدُلُّنا على خضوع الأديان لأحكام التاريخ. لكنّ هذه السيرورة تُنَبِّهنا، في الوقت عينه، إلى أنّ الظاهرة الدينية لا تلبث أن تنتقل من تعبيرها التأسيسي الابتدائي إلى ظاهرة تاريخية واجتماعية مركَّبَة، أي تتداخل في تكوينها أبعادٌ مختلفة: تتباين نِصَاباً وتتمايز تأثيراً، وهي تتألَّف من نصٍّ دينيِّ وتعاليم، وسنّةٍ نبوية، وتراثٍ تفسيري وتأويلي ومؤسساتٍ دينية رسمية أو مذهبية مخالفة… الخ. الظاهرة الدينية، بهذا المعنى، ظاهرةٌ مركَّبة وغيرُ قابلة للاختزال في بعدٍ واحدٍ من أبعادها بزعم أنه «وحده» النقيّ والخالي من الشوائب، على نحو ما تدّعي كلُّ مقالةٍ سلفية من مقالات الفكر الإسلامي: قديماً وحديثاً. وليس التركيب في تكوينِ الظاهرة الدينية إلاّ من آثار فعل عوامل التاريخ في سيرورة أيّ دين من الأديان، وبيانه أنّ الدين ينتقل من لحظةِ المطلق المتعالي، ممثلةً في الوحي، إلى لحظة التاريخيِّ المُتعيّن حين يستقبله المخاطَبون به من البشر، ويتحوّلَ إلى جزءٍ من يومياتهم الاجتماعية. وهكذا يتداخل الدينيّ والدنيويّ في تكوين ما يصبح من الأنسب تعيينُه باسم الظاهرة الدينية بدلاً من تسميته بالدين.

لا يعود الدين، بالمعنى هذا، محصوراً في النصوص والتعاليم، لم يكن من سبيلٍ إلى العلاقة به في تاريخ المسلمين، إلاّ من طريقها كعلوم متخصصة – وإنما يصبح جُمَاعَ تمثُّلات المؤمنين لرسالة الإسلام، خاصّةً وعامَّةً، وجُمَاع التنزيل الاجتماعي والسلوكي العام لتعاليمها. ولمّا كانت التعاليم تلك قَضَت، في تأويلٍ إسلاميٍّ شائع، بإخضاع نظام الجماعة الإسلامية الدنيوي لنظامها الديني، وترتَّب على ذلك أن تشريعات الاجتماع الإسلامي، في الاقتصاد والسياسة كما في نظام الأسرة والأحوال الشخصية، بُنِيَت على قواعد الشرع منظوراً إليها من زاوية هذا المذهب أو ذاك، ولمّا كان ذلك اقتضى إقامةَ مؤسساتٍ لإدارة شؤون الجماعة الإسلامية وأخرى لإحاطة دينها بالصَّون والحراسة من جسمٍ علمائي (فقهي) خُوِّل بذلك: من السلطة كما من الجماعة، ولمّا كان الدين داخلاً في عملية بناء المشروعية، ومسخَّراً لهذا الغرض من قِبَل جميع أولئك الذين انتدبوا أنفسَهم لأداء أدوارٍ «دينية» في الدنيا (سلطات، مذاهب، أحزاب، زوايا…)، ولمّا كان الصراع قويّاً، في تاريخ الإسلام، على حيازة الشرعية الدينية (الصراع على الحقيقة وعلى تمثيلها التمثيل القويم) بما هي سبيل إلى حيازة السلطة، ولمّا كان كلُّ اجتهادٍ إسلامي (بشري) يقدّم نفسه بوصفه العلمَ اليقينيَّ بالمُرَاد الإلهي من التشريع.. فقد باتَ ذلك كلَّه جزءاً من تراث الإسلام لا يمكن عزْلُ بعضِه من بعض.
وليس معنى ذلك أننا نخلط الدين بالفكر الديني وتاريخ الدين حين نذهب إلى ما ذهبنا إليه، فنحن نعي الفروق بين المستويات الثلاثة (مستوى النصّ والتعاليم، ومستوى التراث التفسيري والتأويلي البشري، ومستوى الإسلام التاريخي المَعيش كتجربةٍ جماعية)، ولكنّ المماهاة بينها إنما كانت من فِعْل المسلمين وفقهائهم حتى عَسُر على المرء أن يَفُكَّ الصلةَ بين المتعالي والنسبيّ (البشري) في الفكر – بل في الوعي الجمْعي- الإسلامي. وبتَعَسُّر التمييز بين المستويات تلك، لم يَعُد جائزاً أن يُنْظَر إلى المستويات الثلاثة من الإسلام بما هي معزولة عن بعضها، كما تحاول ذلك الروايةُ السلفية، لأنّ النتيجة الأولى، غير الطيبة، لذلك العزل هي القول إنّ الإسلامَ غيرُ المسلمين، وهي مقولة خطرة وغيرُ علمية.

إنّ معنى قولنا إنّ الظاهرة الدينية ظاهرة مركَّبة إنما مأتاهُ من ملاحظة ذلك التعدُّد في مستوياتها التكوينية، من نصٍّ (وحْي) مدوَّن يتضمن تعاليم تشمل عالم المطلق (الغيب) وعالم الوجود الطبيعي والإنساني (عالم الشهادة)، إلى تراث تفسيري وتأويلي لذلك النصّ تتعدَّد مدارسُه واتجاهاته، إلى تاريخٍ اجتماعي وسياسي للجماعة المؤمنة.. إلخ. ويرتّب التوصيفُ هذا للظَّاهرة تلك نتيجةً فكريةً مفادُها أنّ معرفةً شاملةً وعميقة بظاهرة دينية، مثل الإسلام، تفترض مقارباتٍ للموضوع من زوايا شتى: لاهوتية، وفلسفية، وتاريخية، وسوسيولوجية، وأنثروبولوجية، ولسانية.. تلقي أضواءً كاشفة على أبعاده ومستوياته المختلفة. من هنا، فقط، يبدأ البحث العلمي في التراث الديني: والإسلاميِّ منه على نحوٍ خاصّ.

مقالات مشابهة

Facebook Comments