هل بدأ موسم التسويات الدولية؟

هل بدأ موسم التسويات الدولية؟

لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة العشرين، والذي استغرق قرابة الساعتين والنصف، وما نتج عنه من اتفاق على تهدئة الوضع العسكري، في الجنوب السوري، أثار كثيراً من التساؤلات، حول مستقبل السياسة الدولية، في ظل اتفاق القوتين العظميين عسكريا.

معظم المراقبين يقولون، إن نظاماً دولياً جديداً بدأت تتضح ملامحه، وأن مرحلة تفرد قوة دولية بالهيمنة على العالم، باتت من الماضي، ويشيرون أيضاً إلى أن مخاض الولادة الجديدة، شأنه شأن التحولات التاريخية الكبرى، في التاريخ الإنساني، سيكون عسيراً.

في الحربين الكونيتين، الأولى والثانية، رغم أنهما بالأساس كانتا بين الأوروبيين أنفسهم، وكانت القارة الأوروبية قلب الصراع، لكن الوطن العربي، كان الأكثر تأثراً بنتائجهما. ولاشك أن هشاشة هياكل الأمة، وضعف مقاومتها للتدخلات الخارجية، وأيضا، موقعها الجغرافي، الذي جعل منها جسراً للعبور إلى قارات العالم القديمة، وأهمية الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة التي تختزنها، قد جعل منها هدفاً لكل طامع.

الأوضاع الحالية في الوطن العربي، لا تشي بأن ثمة تغيراً جوهرياً قد حدث على الخارطة السياسية والاجتماعية العربية، بما يسد منافذ الاختراقات الخارجية، وتهديد الأمن القومي العربي. فالعكس، هو الصحيح. فالأمة الآن تمر بأسوأ حالاتها على كل الصعد.

فالشعب العربي، الذي واجه التحدي الاستعماري التقليدي، بعد الحرب الكونية الأولى، وتواصل كفاحه، حتى انتزع الاستقلال السياسي، بعد نهاية الحرب الكونية الثانية، حيث قاتل بعقيدة واحدة، هي عقيدة الأمة العربية الواحدة، وانتماء واحد، لتاريخ ولجغرافيا مشتركة، لم يعد كذلك، بعد الانهيارات الكبرى التي شهدها الواقع العربي، منذ الانتقال الاستراتيجي، تجاه الصراع العربي الصهيوني في مطالع السبعينيات من القرن المنصرم.

وأوضاع المنطقة، بعد احتلال العراق، واستنفاد قوة الجيش السوري، وبعد تفكك ليبيا واليمن، وتقسيم السودان، تجعل من الحديث عن أمن قومي عربي، شيئا من الماضي.

وحين يجري الحديث عن موسم تسويات دولية جديدة، تمهيداً لانبثاق نظام دولي جديد، فمن الطبيعي أن تكون صورة الواقع المتردي في الوطن العربي، حاضرة بشكل كثيف، لدى الذين يملكون القدرة على تقرير مستقبل العالم. وستعاد مجدداً استراتيجيات ملء الفراغ، ولن تكون بعيدة استعادة فكرة الأحلاف العسكرية، التي جرى التبشير بها في المنطقة، في الخمسينيات من القرن المنصرم، وإن بمسميات جديدة، والتي ووجهت في حينه بمقاومة ضارية من شعوب المنطقة، كان من نتائجها إعلان فشل تلك الأحلاف، بعضها في مهدها، كما هو الحال مع مشروع الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور لملء الفراغ بالشرق الأوسط، وبعضها الآخر، بعد الإعلان عن تأسيسه كما هو الحال، مع حلف بغداد، ولاحقاً حلف المعاهدة المركزية «السنتو».

في ظل الواقع المتشظي والمهترئ، لعدد من الأقطار العربية، ستلجأ الكيانات الصغرى، التي طفحت بعد إعصار الخريف العربي، إلى البحث عن ظهير يحميها. وستجد بين القوى الكبرى، من سيسارع لتلقف هذه الفرص، وستكون مسودات التسويات الدولية الجديدة، بين عمالقة القوة، حافلة بتفاصيل القسمة الجديدة بين المنتصرين.

يبدو أن صورة المشهد السياسي الدولي الجديد، ستكون مغايرة عن سابقاتها، وذلك شأن معظم التحولات في التاريخ الإنساني، إذ ليست هناك تجربة مماثلة لأخرى. فالقوى الإقليمية التي تحالفت مع الغرب سابقاً، وتحديداً إيران وتركيا وباكستان، لن تكون حليفاً لصيقاً للحكومات الغربية، كما كانت في السابق.

فإيران حسمت أمرها بالتحالف مع روسيا والصين، وتركيا باتت تدرك أن عمقها الاستراتيجي هو في الشرق والجنوب، وليس شمالاً وغرباً، كما كان سائداً من قبل. وباكستان، غريمة الهند التاريخية، باتت ترى السياسات الهندية تتجه غرباً، وتحقق تحولات غير معهودة في علاقتها بالكيان الصهيوني، رغم كونها عضواً في منظومة البريكس. إن التغير الملحوظ في سياسات الهند، إضافة إلى النمو المطرد، لقوتها الاقتصادية، قد يشجع باكستان على تغيير خريطة تحالفاتها التاريخية، ويدفع بها نحو تعزيز علاقاتها مع كل من روسيا والصين.

إيران وتركيا من جانبهما، ستنسقان جهودهما، لمنع قيام دولتين كرديتين، سواء في العراق أو سوريا. ورغم أن الأمريكيين سيكونون مستعدين لتقديم الحماية للكيانين الكرديين لكنهما سيعارضون الإفصاح الرسمي عن استقلال الأكراد بالبلدين، بما يعني تأجيل الإعلان عن ذلك، رغم أنه بات أمراً واقعاً ومتحققاً على الأرض وبشكل خاص في شمال العراق.

سيجري العمل جدياً من قبل مصر، والأمريكيين على احتواء الأزمة الليبية، نظراً لخطورة استمرار الأزمة على الأمن القومي لمصر. أما مصير الوحدة اليمنية فسيبقى في مهب الريح، ولا يوجد موقف ثابت لأي من القوى الكبرى، حيال تحقيق تسوية لأزمات اليمن. وما لم يتفق أهله على حل، يحمي البقية الباقية من وحدتهم، فليس أمامهم سوى المزيد من الأعاصير والبراكين.

في سوريا، نجحت سياسة القضم التدريجي الروسية، وبالإمكان اعتبار الهدنة العسكرية المعلنة في الجنوب السوري، جزءاً من سياسة القضم. هذه السياسة تعتمد تحييد بعض المناطق، والتفرغ لمناطق أخرى مشتعلة، والعودة مجدداً إلى المناطق المحيدة، بعد إنجاز المهمات على الجبهات الأخرى.

هناك العلاقة بين أمريكا وأوروبا، وعلاقة أوروبا بروسيا، والعلاقة الأمريكية الصينية والأوضاع في القارة الإفريقية، وهي مواضيع هامة لا بد أن تجد لها مكاناً لائقاً بها، في التسويات المرتقبة.
يبدو أن صورة المشهد السياسي الدولي الجديد، ستكون مغايرة عن سابقاتها.

مقالات مشابهة

Facebook Comments