٢٣ يوليو في الذاكرة

٢٣ يوليو في الذاكرة

يختار خصوم تجربة عبدالناصر إطلاق مسمى الانقلاب على تحرك الضباط الأحرار الذي قاد لإنهاء الملكية في مصر، فيما يصر أنصار التجربة على تسمية هذا التحرك ثورة. ينطبق الأمر على عدد من التحركات العسكرية الشبيهة في تلك المرحلة، مثل ما حصل في ١٤ تموز/ يوليو في العراق بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف. تسمية هذه التحركات انقلابات، والتشديد على كونها عسكرية، وأن مجموعة صغيرة من العساكر قاموا بها، هو مقدمة عادةً لحملات التسفيه والتحقير من شأن هذه التحركات، والأنظمة التي ولدت من رحمها، لكن العودة إلى مصطلحات “انقلاب” و “ثورة”، وبغض النظر عن محاولة التفريق بين تعريفهما، لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة مفادها أن كلمة ثورة تحمل صفات إيجابية بعكس كلمة انقلاب، إذ إن الاثنين توصيفان لحالة تمرد بغرض التغيير.

الثورة، بعيداً عن التوصيفات الأيديولوجية التي تجعلها أمراً إيجابياً وفعلاً سامياً، أو أمراً سلبياً وفتنةً وخطراً، هي تمرد من خارج النظام القائم، يسعى لتغيير هذا النظام، واستبدال شرعيته بشرعية جديدة. إنها بوضوح تمرد يسعى لتحقيق الانتقال بالمجتمع من حالٍ إلى حال، عبر تغييرٍ في بنية النظام، لا مجرد إصلاحه من الداخل، أو تعديل توزيع الحصص فيه.

هذه المقاربة واسعة بالطبع، وهي تتسع لأنواع مختلفة من التمرد، كما أنها تقدم توصيفاً للتحرك الثوري المتمرد على المنظومة القائمة، وليس تمجيداً له، فليست كل الثورات مجيدة بالضرورة، والتمجيد من عدمه يعتمد على الموقف من أهدافها ومشروعها ومطالبها. في المحصلة، ليس المهم إن كان انقلاباً أو ثورة، وإن قامت به مجموعة صغيرة أو كبيرة (والثورات بطبيعتها تحركها أقليات سواءً من الجماهير أو النخب)، ولا يهم إن كان انقلاباً ثم تحوّل إلى ثورة بفعل تقاطعه مع طموح الجماهير، لكن المهم فعلاً هو وجود تطلع لتغيير بنية النظام السياسية والاقتصادية بشكل جذري، والتحرك لتحقيق هذا التطلع.

هكذا يكون تحرك ٢٣ يوليو معبراً عن ثورة وانقلاب، بالمعنى الذي يقلب بنية السلطة، والتراتبية الاجتماعية، ويعيد تشكيل الطبقات، ويقلص الفوارق بينها. نجح هذا التحرك، الذي نسميه ثورة، في إقامة نظام جديد، بناءً على مبادئ ومنطلقات جديدة. النقاش الأهم ليس في حدوث التغيير، وإنما في ماهية هذا التغيير.

الاتهام جاهز لثورة يوليو ومثيلاتها، فكل مثلبة في الوطن العربي جاءت من انقلابات العسكر، وهي دعاية رددتها أطراف مختلفة تتفق على كراهية هذه التجارب، كلٌّ لأسبابه. لا يمكن بالطبع وضع كل تجارب الانقلابات العسكرية في سلة واحدة، لكن الحديث عن ٢٣ يوليو بالذات لابد أن يأخذ بعين الاعتبار ما أنجزته التجربة، التي تتم شيطنتها منذ عقود، في مواجهة هذه الدعائية المتلبسة لبوس النقد.

ليس هناك تجربة مثالية، فقد أخفقت تجربة يوليو في عدد من الأمور، لعلَّ أهمها المأسسة، إذ غاب العمل الجاد لبناء مؤسسات مستقرة ودائمة لمصلحة الاعتماد شبه الكامل على زعامة عبدالناصر الكارزمية، وما إن غاب عبدالناصر حتى حصل الانقلاب على نهجه ومشروعه في غياب المؤسسات التي تحافظ على إرثه. غياب المؤسسات رافقته إشكالات من قبيل تغوّل الأمن، وتغييب التعددية والحريات السياسية، لكن اختزال التجربة بهذه الإشكالات هي محاولة للقفز على ما أنجزته، وقد أنجزت الكثير، مما ينبغي أن يسترعي انتباهنا في واقعنا الحالي.

قدمت تجربة يوليو مشروعاً، وهذا بحد ذاته مهم، إذ إن ما نعانيه اليوم هو غياب المشروع العربي، مقابل تنافس مشاريع الآخرين على أرضنا. الوحدة العربية في صلب المشروع، ومعها مجابهة الاستعمار، وأبرز تمثلاته في فلسطين. هكذا تصبح فلسطين قضية مركزية، والاستعمار عائقاً من عوائق الوحدة، فينطلق المشروع للملمة الشتات العربي الناتج عن التجزئة الاستعمارية، واستنهاض طاقات الأمة في وجه المستعمر. ضمن اندماج الفئة الأكبر من الجمهور العربي في هذا المشروع الحداثي القومي، تتضاءل التقسيمات الطائفية والقبلية، ويهب الناس لمواجهة المستعمر، إذ يستطيعون تحديد هويتهم السياسية وبوصلتهم بشكل واضح.

لا يتوقف الإنجاز على إحياء الشعور القومي، واستنهاض الجمهور العربي، بل إن المواجهة مع المستعمر تشهد إنجازات أساسية، من تأميم قناة السويس بما هي معركة لامتلاك الثروات الوطنية، مروراً بدعم حركات التحرر العربية ضد الاستعمار كما في الجزائر، وإجبار الاستعمار على الانسحاب، ودعم حركات التحرر في العالم الثالث، بما أعطى وزناً كبيراً للقاهرة في الساحة الدولية، خاصة مع كونها رأس حربة في كتلة عدم الانحياز. كان للعرب وزن في الساحة الدولية، وهذا بعين واقعنا اليوم حلم بعيد.

أعادت ثورة يوليو توزيع الثروة لتقليص الفوارق الطبقية الهائلة، وأعطت الأغلبية المسحوقة من الناس أملاً جديداً، بالإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، ومكافحة الأمية. كان العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية من أبرز منجزات ثورة يوليو، وقد ترافق مع الطموح بإقامة تنمية مستقلة، بتشييد المصانع، وإقامة مشاريع عملاقة مثل السد العالي، ورفض التبعية الاقتصادية وما تنتجه من الارتهان للتمويل المشروط، واستنهاض طاقات البشر في خطط التنمية، ما أنتج وضعاً اقتصادياً أشادت به تقارير جهاتٍ تعادي التجربة، مثل البنك الدولي. مجتمعٌ ينهض، بفعل وجود مشروع وحلم، وتزدهر فيه الفنون والثقافة، هو أمر بعيد بمقاييس واقعنا أيضاً.

الانطلاق صوب التحديث، والتمسك بعلمانية لا تعادي الدين، وضمان الحريات الاجتماعية، وتحرير المرأة من كثيرٍ من القيود، هي منجزات أساسية لتجربة يوليو، يبدو واقعنا اليوم متخلفاً عنها. غابت الديمقراطية في شكلها المعروف اليوم، لكن الجمهور كان حاضراً بقوة، إذ إن  خطاب يوليو أسس لمفهوم الجماهير في السياسة العربية، واستهوى فئات واسعة من الجماهير العربية وكوّن أكبر حركة جماهيرية في التاريخ العربي المعاصر، وتبنى سياسات تعبر عن مصالح الأمة العربية لا عن مصالح طبقة إقطاعية ضيقة متحالفة مع الاستعمار، ودمج الجماهير في جهاز الدولة والعملية الاقتصادية، وجعلهم فاعلين.

هذه الذاكرة عن إنجازات يوليو، لا يجب أن تغيب بفعل دعاية اختزالية، لكنها أيضاً لابد أن تستحضر منجزات يوليو لبناء واقع مختلف اليوم، يستلهم من الذكرى ولا يتشرنق بها، ولا يتورع عن نقد الإخفاقات بغرض تجنبها.

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments