نبوءة كينز.. انتظروا النعيم

نبوءة كينز.. انتظروا النعيم

كان الغرض من ايجاد السوق، تسهيل عملية تبادل السلع والخدمات، وضمان تنظيمها. ثم فجأة، وجد “فائض القيمة” نفسه في ملحمة مع المجتمع، من أجل “استثمار” قوته ونفوذه المتأتي منها،للسيطرة على النظام السياسي والاجتماعي في آن. تحوّل الناس، بشكلٍ إرادي أو عفوي، لا فرق، من اقتصاد السوق إلى “مجتمع السوق”،كما يحب أن يُطلق عليه، الفيلسوف الأمريكي مايكل ساندل.
هذا التحوّل، على نقيض ما اعتادت عليه البشرية طيلة عصور ما قبل الأديان الكبرى،وما بشرت به لاحقاً المسيحية، من حيث نبذ الاهتمام بمراكمة الثروة واكتنازها.سمحت هذه الفكرة،بتحولٍ جذريٍ في الاقتصاد، الذي راح يأخذ مكانه كمركز، منذ أن أعاد آدم سميث، أبو الاقتصاد الحديث، تفسير طبيعة الإنسان، ورسمَ ملامح نظريتهالأساسية عنه، التي وضع فيها الفردانية كقيمة جوهرية تتمحور حولها حياة الإنسان، وفصل من خلالها مصلحة الفرد عن مصلحة الجماعة.بلغة أكثر فصاحة،جعل مصلحة الأخيرة، مرتبطة بطموحات الأول؛ وذلك حينما أتاح له البحث عن “مصالحه الخاصة”،وهيئها كمساهمة فيجلب النفع للجميع، وبأن السعي نحو تحقيق المصلحة الفردية، سوف يقود أوتوماتيكياً لتعزيز نمو الاقتصاد الكلي، طالما ظل اللهث خلف “تعظيم المنفعة” الشخصية مكفول قانونياً.
لكن هذا التحول (التبرير الفلسفي)، لم يكن مُحفزا على الابداع فقط،وإنتاج سلع جديدة، فهو بطريقة أو بأخرى، ازاح مصلحة الجماعة السياسية جانباً، لصالح رغبات الفرد اللامحدودة، فأصبح من حقهأن “يتملك” ما لا يمكن تملكه، طالما وجد من “يبيعه” إياه.
إلى ماذا قاد هذا النموذج (حرية السوق)؟ يعتقد مايكل ساندل، وهو أحد المفكرين المهتمين بنظريات العدالة، بأن في أمريكا اليوم، أشياء قليلة جداً، لا يمكن شرائها بالمال. ويضرب أمثلة كثيرة في هذا السياق، منها ما يمس بقيم المجتمع وعاداته. على سبيل المثال، وجود شركة تبيع خدمة الوقوف بالنيابة عنك في خط انتظار المتاحف، أو أن تشتري خدمة ترقية الزنزانة في بعض السجون، وكذلك تجاوز خط الانتظار في المطارات المزدحمة. ثم يصل لاستنتاج، بأن هذا النموذج، تنحسر فيه قيمةالأخلاق، فيصبح كل شيء قابل للبيع.
يُلاحظ ساندل أيضاً، من ضمن ما يلاحظ، بأن اقتصاد السوق، انتقل من كونه أداة تنظيم، ترفع الانتاجية وتوفر الخدمات لعامة للناس، لمجتمع السوق، حيث المال يُسير جميع سلوكيات وتصرفات الأفراد والمؤسسات. كتاب ساندل ” ما الذي لا ستطيع المال شرائه” غني بالأمثلة، على التحول الخطير الذي أحدثته الرأسمالية الحديثة على السلوكيات الفردية والاجتماعية، عبر “تجشيع” ملاك رأس المال،وحثهم الدائمعلى اختلاق سلع وخدمات جديدة.
أما السخرية الشديدة، فكانت يوتوبيا الرأسماليين الكبار، من أمثال جون مايركينز، التي تدّعيبأن الإنسان في ظل هذا النموذج (اقتصاد السوق)، سوف لن يحتاج للكدح كثيراً،كي يعيش حياة النعيم، من حيثتوفر له فيها “المواد التي أحتاجها آدم عليه السلام”، مع بداية الخلق، سوى للعمل ثلاثة ساعات في اليوم، وبأنه سيكون أكثر راحة؛ بسبب النمو الاقتصادي المرافق للتطور التكنلوجي. قدم كينز تلك الأسطورة في مقالة مطولة بعنوان:” الاقتصاد المحتمل لأحفادنا”. كانت نبوءتهتتوهم بأن الاقتصاد الرأسمالي سوف يظل في حالة نمو مستمر وتشغيل كامل للموارد، تسمح للفرد بأن يعمل ساعات عمل أقل، كي يحصل على الخدمات الأساسية التي يحتاجها في حياته.
لا اعتقد بأننا في هذه اللحظة، في حاجة لبدل جهدٍ كبير، كي نثبت عكس النتائج التي توصل لها كينز. الواقع ببساطة شديدة، وهبنا النقيض، فالكساد العظيم، الذي ترك الناس جوعى، وملايين العاطلين في قلب أوروبا الصناعية،حدث بعد نشر المقالة بسنتين فقط. في كتاب آخر، مهم جداً، لروبرت وإدوارد سكدلسكي، بعنوان ” كم من المال يكفي لعيش حياة كريمة”، نقاش فلسفي أخلاقي ضروري حول أخلاقيات وعدالة اقتصاد السوق، وفيه فحص جذري للتحول الكبير الذي حدث نتيجة تسليع كل ما يمكن تسليعه، بحيث أصبح المواطن يجري خلفأكثر من وظيفة، وبمعدل ساعات عمل يفوق 12 ساعة يومياً، ليس بغض الاستمتاع بمباهج الحياة. على عكس نبوءة كينز، كي يستطيع اللحاق بمتطلبات الحياة ” الرئيسية”، كالدراسة والطبابة والمسكن والمبلس في ظل انخفاض الرواتب من حيث المقدرة الشرائية وارتفاع تكلفة العيش. لم يحدث كلهذا التحول في ساعات العمل، منذ الانتقال من اقتصاد الأسرة لاقتصاد السوق، إلا بسبب التغير الذي أدخله الأخير على عقلية المستهلك، إن عبر آلة الدعاية الجبارة التي يمتلكها، أو من خلال نمط الحياة الباذخة التي يتمتع بها الرأسماليون، الذين لا يتوقفون عن التباهي بملذات الحياة، والتسابق السنوي، على الدخول في قوائم الأغنى في العالم.
إضافة إلى كل ما تقدم، التغير الجوهري الذي طرأ على مفاهيم ” الحاجات” و” الرغبات”، بحيث نتج عن ذلك الأمر،أن انتقلت ” الرغبات” لمصاف ” الحاجات”، وهي غالباً، رغبات متخيلة ومرتبطة بالتسابق على ” الحيازة” داخل كل طبقة، لتدفع بالأسر (الزوج والزوجة) أو الفرد العامل فيها، كي يبدل المزيد من الإجهاد لسد هذه الرغبات المستحدثة.
الآن، لا يُلام كينز على تنظيراته، وعلى ما وصلت له البشرية من بؤس واحباط، جراء تبخر الوعود بحياة سعيدة وهانئة، فتلك مرحلة فكرية طويت، بقدر ما يلام النظام السياسي الذي أطال من عمر الغول.

مقالات مشابهة

Facebook Comments