الليبرالي والطائفية

الليبرالي والطائفية

أعاد المسلسل الرمضاني السعودي “سيلفي” تقديم نقاشٍ شغل “النخب” الثقافية والمهتمين بالشأن العام في السنوات القليلة الماضية، وملأ المقالات وموقع “تويتر”، في حلقة بعنوان “زواج ليبرالي”، لخَّصت النقاش حول موقف المثقف السياسي، وعلاقته بانتمائه المذهبي، وخصَّت التيار الليبرالي بالحديث، من خلال قصة كاتبين، ليبرالي “سني” وآخر “شيعي”، يتفقان على تزويج أبنائهما، لكن مشروع المصاهرة ينتهي حين يطلب الليبرالي “السني” مقالاً من نظيره “الشيعي”، يوضح فيه رأيه السلبي تجاه حزب الله، ويبعد عن نفسه أي شبهةٍ تتعلق بطائفيته، لكن الأخير يرفض إملاء صاحبه، ويتهمه بالديكتاتورية. كنتُ جزءاً من سجالٍ طويل وحاد بشأن موقف المثقف وعلاقته بهويته المذهبية، مع إسلاميين قريبين من التيار الإخواني، أو محسوبين عليه، ولا بأس من تلخيص الرأي فيه، فيما يتعلق بالليبراليين.

بدايةً، لابد من إعادة النظر في مفهوم الطائفية، فالمفهوم يشكل قاعدة انطلاقٍ للنقاش بشأن مواقف المثقفين، واتهامهم بالطائفية. الطائفية تحوِّل الانتماء المذهبي إلى رابطةٍ سياسية، تشد عصب أتباع مذهبٍ ما، ويصبح المذهب، بما هو طريقة تعبُّد، ومحاولة تفسير النص الديني، هويةَ جماعةٍ سياسية، تربط أفرادها بشبكة مصالح دنيوية، ولا يحتاج الأمر لتبنّي خطاب الكراهية تجاه المختلف مذهبياً، إذ يكفي أن يُعرِّف المرء نفسه جزءاً من الجماعة المذهبية في المجال العام، ويحدّد رؤيته على أساس الهوية المذهبية، ومصالح الطائفة، لينخرط في الطائفية.

تقسيم الليبراليين إلى سنة وشيعة، وطلب موقفٍ من ليبرالي باستحضار هويته المذهبية، ليس سوى تكريس للتقسيم الطائفي، حتى ولو حَسُنَت النيات، إذ إن هذا إقحام واضح للهوية المذهبية في السياسة، وإصرارٌ على تعريف الأفراد في المجال العام بهوياتهم المذهبية، بعيداً عن منطلقاتهم الفكرية، والحجج التي يسوقونها لتبرير مواقفهم.
أكثر من ذلك، لا يعترف من يستنطق المواقف على خلفية الانتماء المذهبي بوجود أفراد أحرار، ولا بحرية الفرد في الاختيار، بوصفها فكرةً ليبرالية مركزية، بل إن الفرد، وفق هذا المنطق “الليبرالي”، هو أحد رعايا الجماعة المذهبية، ولا يمكن أن يكون خارجها، وعليه أن يشجب هذا وذاك، لأنهم ينتمون لجماعته. هذا منطق عشائري، لا يرى أفراداً خارج عشائرهم، ويفترض أن المثقف هو “عاقل العشيرة”، ومسؤوليته ردع سفهائها، والتبرؤ منهم حين يخطئون، ومعاقبتهم بكل وسيلة ممكنة، كي تخمد نار الفتنة بين العشائر، ويحلّ السلام. لا يتسق هذا مع طرح ليبرالي، ولا مع تعزيز هويةٍ وطنيةٍ تسمو على الهويات الفرعية.
انساق ليبراليون عرب كثيرون وراء تفسير الصراعات في المنطقة طائفياً، وفهم مواقف المثقفين بناءً على هويتهم المذهبية، وتطعيم خطابهم بالمفردات الطائفية، وإذا كان الإسلاميون السنة والشيعة غارقين في الطائفية، لأنهم يمثلون، في الغالب، حالات انفعال تتعلق بالهوية الدينية، ولا يمكنهم الخروج من تفسيرٍ مذهبي للنص الديني وتطبيقاته في حركتهم، فإن الليبراليين ليسوا معصومين من الوقوع في الطائفية أيضاً. عدد لا بأس به من الليبراليين، بسنتهم وشيعتهم، ينقدون الخطاب الديني، وشيوخ الدين، ويرفضون الكراهية المذهبية، لكنهم لا يستطيعون التفكير خارج الصندوق الطائفي، ويمكن ملاحظة ليبراليين “شيعة” مثلاً، ينقدون علماء الدين، من منطلق منافستهم على قيادة جمهور الطائفة، وليس بمنطق رفض تحويل المذهب إلى هوية سياسية.
حين يطرح التحدّي على “المثقف الشيعي” باتخاذ موقف سياسي محدّد، يظهر في عمق المطالبة اعتقاد بمعيارية هذا الموقف، أي أن اتخاذه معياراً للصواب والعقلانية وتبنّيه خلوصٌ من الطائفية، إذ لا مكان للاجتهاد، وتبني وجهة نظر سياسية مغايرة، من منطلقاتٍ لا علاقة لها بالطائفية، فالموقف يعبر عن بديهيةٍ لا يجوز النقاش فيها، والحقيقة المطلقة لا تحتاج لنقاشها، إنما لتبنيها بخشوع، ومن دون أي تغيير أو تبديل.
المطلوب إعلان الانتماء لتوجه سياسي محدد، ليُقَدَّم “المثقف الشيعي” باعتباره “شيعياً طيباً”، أو ينعم بوصفه من “عقلاء الشيعة”. وعلى الرغم من أن الفكرة من طلب الموقف هي البراءة من الطائفية، إلا أن النتيجة هي ترسيخ لهوية هذا المثقف الطائفية، فهو يتّخذ المواقف السياسية بناءً على هويته الشيعية، ويُطالَب، طوال الوقت، بمثل هذه المواقف، حتى يثبت باستمرار براءته من الطائفية، لأن هذه المطالبات لا تنتهي، في وقتٍ يُثبِّت فيه الآخرون هويتهم السنية.

المقياس الأساس لابتعاد المثقف عن الطائفية هو ابتعاده عن رؤية ذاته فرداً في جماعة سياسية، ورؤية الآخرين كذلك، واتخاذ مواقفه وتقديمها بناءً على منطلقاتٍ لا تتعلق بانتمائه الطائفي. ليس واجب المثقف نقد أبناء مذهبه، لاشتراكه معهم في الانتماء المذهبي، ويُفترض بمن تحرّر من قيود المذهبية أن ينقد أبناء مذهبه وغيرهم على أساس منظومة أفكارٍ وقيم يتبناها، فمثقفٌ ينقد حركاتٍ طائفية شيعية، أو يرفض تعاملها مع المحتل مثلاً، ينطلق من أفكارٍ ضد الطائفية والتعامل مع المحتل، وليس من واقع اشتراكه معهم في الانتماء المذهبي، و”واجبه” حيال هذا الأمر، ومحاولته إرضاء هذا ومجاملة ذاك.
نقد الحركات الطائفية يُبنى على منظومةٍ فكريةٍ ترفض إقحام المذهب في المجال السياسي، وليس منافسة الحركات الطائفية على قيادة الطائفة، والتأثير في جمهورها، من المنطلقات الطائفية نفسها. الشجاعة تكمن في الانطلاق من موقعٍ غير طائفي في هذا النقد، والدفع نحو الخروج من التخندق الطائفي، لا الإصرار عليه بطريقةٍ أو أخرى.

مقالات مشابهة

Facebook Comments