إدمان الاستهلاك

إدمان الاستهلاك

يحار كثيرون في ظاهرة الإقبال الضخم على شراء المواد الغذائية، قبيل شهر رمضان وفي أثنائه، حيث تتسابق الأسر على شراء ما تحتاجه وما لا تحتاجه من أطعمة. هذه الظاهرة جزء من “النزعة الاستهلاكية” المهيمنة على سلوك الأفراد في مجتمعاتنا العربية، ونعني بها الاندفاع نحو تجميع المنتجات والبضائع، بما يزيد على الحاجات الأساسية، وهو أمر قائمٌ بفعل قدرة الشركات على إقناع هؤلاء المستهلكين بأنهم يحتاجون كل ما يشترونه تقريباً، حتى لو لم يكن هذا صحيحاً، أو تسويق هذه الشركات فكرةً مفادها بأن شراء هذه المنتجات يصعد بالأفراد من الطبقة الوسطى إلى مستوى الأثرياء في المجتمع، وأن امتلاكها دلالة على أن المرء يعيش حياة لائقة وسعيدة.
ليست الظاهرة محصورة في مجتمعاتنا، إذ بات باحثون يعتبرون أفراد المجتمعات الغربية مساهمين في الرأسمالية بصفتهم مستهلكين، لا منتجين، بفعل السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي طُبِّقت في العقود الأخيرة، واعتمدت على تصدير المصانع إلى شرق آسيا، فقلَّصت أعداد العاملين المنتجين، ما جعل دراسة الاستهلاك تتوسع، ونظريات تبرز بشأن تفسير اندفاع الناس إلى شراء أشياء قد ترغمهم على تضحياتٍ، وتوقعهم في مشكلاتٍ كبيرة، وهي، في الأساس، لا تُصنَّف ضمن الضرورات.
يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي، جان بوديار، أن الاختلافات الشكلية بين السلع التي تؤدي الوظيفة ذاتها، يمكن أن تُفهم عبر ربطها بمواقع أصحابها في النظام الاجتماعي. ويرى أن سلوك المستهلكين معنيٌّ بالتميِّز كما بالتوافق، فالمستهلك يحاول أن يتماشى مع سلوك الجماعة التي ينتمي إليها، ويميز نفسه عبر سلوكه الاستهلاكي عن الجماعات الأخرى، ما يجعل نماذج الاستهلاك تساعد في تعضيد هوية اجتماعية وثقافية. ويربط عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، بين استهلاك الأفراد وموقعهم الاجتماعي، ويرى الاختلاف في الأشياء التي نملكها تعبيرا عن لغة اجتماعية، والاختلاف لا يعني التميِّز من دون إدخال المظاهر الخارجية، مع تراتبية ممارساتها.

اختلاق الاحتياجات باستخدام التطور التكنولوجي، والتلاعب بالمستهلكين عبر إغراق الأسواق بمنتجات مختلفة ومتعدّدة وزائدة على الحاجة، وإضافة أشياء في نسخ جديدة من هذه المنتجات وتسويقها باعتبارها تغييراتٍ جوهرية، كما نلحظ في عالم التلفزيونات والهواتف الجوّالة، كلها تُوجِد جمهوراً واسعاً من المستهلكين الذين يجعلون الاستهلاك نمط معيشتهم، وجوهر حياتهم، فهم يجمعون المال لشراء مزيد من المنتجات، وكلما يشترون أكثر يتعطشون لمزيد من الاستهلاك. لنلاحظ مثلاً أن الاستهلاك بات ثقافة مُوَجِّهة لسلوكيات الناس في مجتمعاتنا، وغاية لأفراده، والطابع الأساس لحياتهم، فحتى التسلية والترفيه لا يكونان إلا باستهلاك منتجاتٍ معينة، أو الوجود في الأسواق والمطاعم، وهي أماكن التجمع الأساسية لمجتمعات استهلاكية، وليست المكتبات العامة أو الحدائق مثلاً.
تغري الإعلانات والعروض والتخفيضات المقدمة من الشركات المستهلكين، بجعل حياتهم تدور حول السعي إلى امتلاك المزيد من السلع، وتحديد السلع التي تجعل الحياة أكثر سعادةً وراحة، أي تحويل السعادة إلى مفهوم استهلاكي مادي. وتبرع الشركات في تسويق منتجاتها عبر وسائل الإعلام، ومن خلال المتاجر الكبرى، ويصنع التباهي بهذه المنتجات بين أفراد المجتمع ترويجاً أكبر لها، إذ تحصل حالة تنافس بين المستهلكين على امتلاك هذا المنتج أو ذاك، ويصبح معيباً ألا يمتلك المرء منتجاً ما، فهذا يحطّ من مكانته الاجتماعية التي باتت تُقاس بما يمتلكه من منتجات.
يؤدي هذا، إضافة إلى محاولة تقليد الأثرياء ورموز المجتمع والمشاهير فيه، وملاحقة آخر الصرعات، إلى زيادة الصرف على تلك المنتجات، والغرق أكثر في دوامة الاستهلاك. لابد من الإشارة إلى دور العولمة في نقل الثقافة الاستهلاكية إلى مجتمعاتنا، ففي آخر عقدين، ونتيجة تطور أدوات الاتصال، باتت الثقافة الاستهلاكية، ونمط الحياة الغربي، تتشابك مع الثقافات المحلية، لتصنع حالةً مركبة. وفي بعض المجتمعات العربية، يمكن ملاحظة تهجين ثقافي بين التفكير السلفي المتشدّد والنمط الاستهلاكي المعولم.
ليست الأزمة في الاستهلاك بذاته، لكنها في إدمانه، وتحويله إلى معنى السعادة. والأهم الاكتفاء به بعيداً عن أي نزعةٍ إنتاجية. لم تستنهض الدول العربية مواطنيها ليقيموا حتى جزراً إنتاجية في بلدانهم، وظلت هذه الدول تستهلك من دون أن تنتج، وتصدر المواد الطبيعية من دون إدخال أبسط تعديل عليها، فالنفط مثلاً يُصدّر في أغلبه خاماً من دون تكرير، وهكذا، تطغى السمة الاستهلاكية على هذه المجتمعات، وتتحول إلى مجرد أسواقٍ لتصريف منتجات الشركات الكبرى.
نجحت الشركات في تحويل القطاع الأكبر من مجتمعاتنا إلى مستهلكين يشترون ما يفوق احتياجاتهم، ولا يتوقفون عن الاستهلاك، أو يعيدون التفكير في احتياجاتهم، ليفرّقوا بين الضروري والكمالي، أو ليفكروا في طرق أخرى للترفيه عن أنفسهم، غير الذهاب إلى المجمعات التجارية للتبضُّع.

مقالات مشابهة

Facebook Comments