روحاني وأزمة ولاية الفقيه

روحاني وأزمة ولاية الفقيه

إذا كان الرئيس «حسن روحاني» الذي أعيد انتخابه مجدداً قد وصل للسلطة في مأموريته الأولى بدعم وقبول من سلطة ولاية الفقيه (المرشد خامنئي) والأجهزة العسكرية والأمنية التابعة لها، فإنه استفاد في إعادة انتخابه من أزمة الثقة التي حدثت بينه والمرجعية الدينية الحاكمة بوقوف قطاع واسع من القوى الليبرالية وحركة المجتمع المدني معه في مواجهة ممثل التيار المحافظ المتشدد (إبراهيم رئيسي).

والواقع أن «روحاني» لا ينتمي للاتجاه الإصلاحي المعارض وليست لديه مواقف ليبرالية حقيقية، بل يمثل خط الجناح البرغماتي الذي يسعى لإخراج إيران من عزلتها الدولية وإصلاح أوضاعها الاقتصادية ضمن منظور لا يغير جوهرياً من طبيعة النظام السياسي وإنما يكتفي بإنقاذه من مأزقه الداخلي المتفاقم. وهو بهذا المعنى أقرب للرئيس السابق «هاشمي رافسنجاني» من الإصلاحي «محمد خاتمي» ذي الأفكار التنويرية التحديثية.

وإذا كان مكسب روحاني الحقيقي الوحيد هو الاتفاق النووي مع المجموعة الدولية الذي أخرج إيران جزئياً من عزلتها الخارجية، فإنه ليس من المتوقع أن يستفيد من إنجازه الديبلوماسي بالنظر إلى الأخطاء المترتبة على السياسة الإيرانية في محيطها الإقليمي التي حولتها إلى محور الخطر الاستراتيجي في المنطقة وفرضت عزلتها في مجالها الجيوسياسي وفي المحيط الدولي، بما يضعف سياسات الإصلاح الاقتصادي والانفتاح التي يتبناها روحاني.

بيد أن المأزق الأكبر الذي يواجه روحاني يتمثل في الصراع الداخلي المحتدم في الشارع الإيراني الذي لم يعد بالإمكان اختزاله في جدلية المحافظين والإصلاحيين التي أطرت الحياة السياسية في إيران في العشرين سنة الأخيرة، بل إن هذا الصراع تحول إلى دائرة الشرعية نفسها أي طبيعة نظام الحكم ومرجعيته.

وإذا كان من الصحيح أن الشرعية الدينية نفسها ليست مدار اعتراض واسع بل هي من مقومات الهوية الإيرانية التي قامت تاريخياً على قاعدة إمبراطورية تستدعي الرمزية الدينية في تسييرها للتنوع القومي الكثيف، فإن نموذج «ولاية الفقيه» الذي قامت عليه «الجمهورية الإسلامية» بعد ثورة 1979 لم يعد يثير حماساً حقيقياً لدى أغلبية واسعة في الشارع الإيراني.

ففضلا عن ازدواجية النظام السياسي بين سلطة المرجعية الدينية العليا غير المنتخبة والمؤسسات المنتخبة ذات الصلاحيات التنفيذية المحدودة، تحولت تدريجياً «ولاية الفقيه» من صورة حكم المؤسسة الدينية ذات القنوات الواسعة مع المجتمع الأهلي إلى صورة الأوليغارشيا المهيمنة المعزولة عن الحقل الديني نفسه الذي أصبح شديد التمايز، تنتشر فيه الأفكار الإصلاحية النقدية وتتزايد فيه الأصوات المطالبة بمراجعة نظام «ولاية الفقيه» الذي ليس له إرث حقيقي في التقليد الشيعي.

لقد عبر عالم الاجتماع «فرهاد خوسروخافار» عن هذا التحول بقوله إن مفارقة إيران الحالية هي أن السلطة أصبحت أكثر تيوقراطية فيما تقلص طابعها الديني، بمعنى أن هيمنة السلطة الحاكمة باسم الدين تتزايد بينما تزداد عزلتها في الحقل الديني. إنه التحول نفسه الذي عبر عنه الفيلسوف الإيراني «رامين جوهانبغلو» بقوله إن السلطة انتقلت من نموذج «الشرعية الدينية» إلى نمط من «اللاهوت السياسي» يوظف المعجم الديني في فرض سلطة مطلقة غير دينية.

وهكذا تتركز الحركة الاحتجاجية في الفكر الديني الإيراني نفسه، في الوقت الذي تتمحور سياسياً وإعلامياً في ما عبر عنه البعض بمفهوم «المثقفين الوسطاء» الذين يستخدمون قنوات التواصل الاجتماعي في العمل السياسي للالتفاف على الرقابة الإعلامية والسياسية، وهم النشطاء الفاعلون في حركيّة المجتمع المدني الحي.

في الحقل الفكري، نشير إلى نمطين من الوجوه الاحتجاجية: المفكرون الإصلاحيون الذين يستخدمون في الغالب قوالب دينية لتمرير أطروحاتهم الليبرالية التحديثية بتقديم مقاربات تأويلية للإسلام تكرس قيم التعددية والحريّة (من أبرزهم عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري ومصطفى ملكيان)، وفقهاء الحوزة الذين ينتقدون من منظور التراث الشيعي نفسه فكرة «الحكومة الإسلامية» التي بلورها الخميني سواء برفض مقولة «ولاية الفقيه» من حيث هي خروج عن عقيدة «الإمامة المنتظرة» أو بالرجوع إلى مقولة «ولاية الفقيه المقيدة المنتخبة» التي كان يقول بها آية الله حسين منتظري ومرتضى مطهري، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه حالياً «محسن كاديفار» الذي كتب عملا موسوعياً حول نظرية الدولة في الفقه الشيعي.

كان المفكر الإيراني «داريوس شايغان» قد كتب بعد قيام «الجمهورية الإسلامية» كتاباً حول «الثورة الدينية»، ذهب فيه إلى أن الخطر الذي ستواجهه إيران في المدى البعيد هو نقل المعاني والتطلعات الروحية من قاموس الوعد والانتظار إلى المعجم السياسي، بما ينتج عنه نمط من العلمنة الخفية التي ستضعف الشعور الديني وتدمر الفعل السياسي، وهو المشهد الذي أصبح بارزاً اليوم في إيران.

مقالات مشابهة

Facebook Comments