المدارس الأجنبية في السعودية

المدارس الأجنبية في السعودية

بات سوء التعليم الحكومي مسألةً بديهيةً في أي نقاش عن جودة التعليم في السعودية، كما في بقية الوطن العربي. ظهر التعليم الخاص ليشكِّل مساراً بديلاً لمن ينشد مستوى تعليمٍ أفضل لأبنائه، ولديه القدرة المادية لتحقيق هذا الهدف. واليوم، يدور الحديث عن خصخصة التعليم، والجميع يترّقب ما ستؤول إليه عملية الخصخصة هذه، وعواقبها على الطبقات الفقيرة. لم يعد نقاش تطوير التعليم الحكومي مهماً اليوم، إلا من زاوية الخصخصة، إذ هي الحل السحري لمشكلات القطاع العام كله، فلا أحد يتحدّث عن أي دورٍ للدولة في تحديث منظومة التعليم، وإخراجها من جمودها، بل عن كيف تتخلى الدولة عن دورها هذا للقطاع الخاص، لتكتفي بالإشراف العام على العملية التعليمية، وتتخفّف من تكاليف إدارتها. 
قبل حديث الخصخصة وبعده، ازدهرت فكرة تعليم السعوديين أبناءهم في المدارس الدولية التي تدرس مناهج غربية، وهذه المدارس انتشرت، في السنوات الأخيرة، في السعودية و الخليج، وأصبح الطلاب السعوديون قادرين على التسجيل فيها، بعد أن كانت زمناً طويلاً محصورة بأبناء الجاليات الأجنبية المقيمة في المملكة. لم تنتشر في السعودية مدارس تبشيرية مسيحية، كما حصل في أقطار عربية عديدة، إبّان الحقبة الاستعمارية، كما لم يُسمَح لأبناء الموظفين السعوديين في شركة النفط أرامكو، مع بداية عملها في البلاد، بدخول مدارسها الخاصة بالأميركيين، الواقعة داخل المجمع السكني الخاص بالشركة. وبدلاً من ذلك، بنت “أرامكو” مدارس فخمة خارج مقرّها، في أحياء المنطقة الشرقية، ليدرس فيها أبناء عمالها السعوديين والعرب، وقد وضعت وزارة المعارف يدها على تلك المدارس، فصارت جزءاً من التعليم الحكومي المجاني.
قيل إن عدم السماح لأبناء السعوديين بالدراسة في مدارس “أرامكو” الأميركية يعود إلى تخوف “أرامكو” من دخول المناهج العربية و الإسلامية شيئاً فشيئاً، وتورّط “أرامكو” بالبيئة الدينية السعودية، وإفرازاتها داخل المجمع السكني الذي تم تصميمه ليلبي حاجة الأميركيين إلى الحياة وفق النمط الأميركي داخل السعودية، وربما يُضاف لهذا سببٌ آخر، هو تخوف الأميركيين المهيمنين على “أرامكو” في تلك الفترة، من كسر السعوديين هيمنتهم، عن طريق الحصول على أي امتياز، بما في ذلك التعليم الجيد لأولادهم، خصوصا إذا تذكّرنا كيف عامل الأميركيون العمال السعوديين والعرب معاملةً سيئة في تلك الفترة، ما أنتج الإضرابات العمالية الشهيرة في خمسينيات القرن المنصرم.
أياً يكن السبب، فقد كانت النتيجة عدم دراسة السعوديين في مدارس “أرامكو” الأميركية، أو أي مدرسةٍ دوليةٍ أخرى. لكن، في السنوات الأخيرة، فُتِح الباب أمام السعوديين لتسجيل أبنائهم في تلك المدارس، وهي تختلف شكلاً ومضموناً عن المدارس الحكومية، وحتى عن بعض المدارس الخاصة المملوكة لمستثمرين سعوديين، إذ إنها، بسبب توجهها إلى تدريس الأجانب، ليست مصممة لتُطابق منطلقات منظومة التعليم السعودية وأهدافها وأساليبها، وهو ما يجعل طلابها مختلفين عن باقي الطلبة السعوديين في المدارس الحكومية.
الاختلاف الذي تصنعه المدارس الأجنبية يظهر في مستويين، طبقي وثقافي. في المستوى الأول، وبسبب الرسوم العالية للدراسة في المدارس الأجنبية، تصبح هذه المدارس بيئة ملائمة للنخب المصنفة ضمن الطبقة المخملية، لتمكين أبنائها من فرص تعليمية أفضل، مقارنةً بالتعليم الحكومي الجامد، لكن كثيرين من أبناء الطبقة الوسطى أيضاً يصرّون على الاستثمار في تعليم أطفالهم، عبر إرسالهم إلى هذه المدارس، وتحمل أعباء مادية ضخمة، من أجل هذا الهدف. في المحصلة، وبافتراض التفوق النوعي لهذه المدارس على المدارس الحكومية، تصبح فرص خريجي هذه المدارس أفضل في تحقيق مزايا اجتماعية واقتصادية، ودخول سوق العمل، بما يعزّز التمايزات الطبقية القائمة.
في المستوى الثقافي، تكمن إشكالية أساسية تتعلق بقضايا اللغة والهوية، إذ يُشكِّل التدريس باللغة الإنكليزية واحداً من العناصر الجذابة للأُسَر لإرسال أطفالها إلى تلك المدارس، ليتقنوا الإنكليزية التي أصبحت مطلباً أساسياً في المجالات العلمية، وفي شركات القطاع الخاص، لكن هذا صار يؤثر، بشكل واضح، على إتقان هؤلاء الأطفال العربية، وإذا كانت اللغة وعاء الثقافة، فإن الطفل ينشأ ضمن نمط الحياة الغربي، فيغدو منفصلاً عن مجتمعه العربي، وتصبح الإنكليزية لغته الأم، مع معرفته بعض المفردات العربية.
صارت هذه المدارس جزءاً من أدوات العولمة التي تنشر الثقافة الغربية، ويبدو أن أسراً كثيرة تقع بين سندان الثقافة الدينية المتزمتة في المدارس الحكومية، ومطرقة الثقافة الغربية والانفصال عن المجتمع والثقافة العربية في المدارس الأجنبية، في ظل محدودية الخيارات التي تُمَكِّن من إتقان الإنكليزية، مع الحفاظ على اللغة العربية لغةً رئيسة، وتعطي الفرصة لأجواء تربوية مفتوحة، بعيداً عن أُطِر التزمت الديني.
التمايزات الطبقية والإشكالات الثقافية آخذةٌ في التوسع، مع التوجه العام إلى تعزيز هذا المسار، والتخلي تماماً عن التعليم الحكومي المجاني بدلاً من تطويره. الغريب أن تيار الصحوة الإسلامية بتنوعاته، الذي حرص دائماً على الهيمنة على المجال التعليمي، لم يُثِر قضية “التغريب” عبر المدارس الأجنبية بكثافة، كما يفعل في قضايا مثل الابتعاث إلى الخارج، أو الحفلات الترفيهية. ينكمش النفوذ الثقافي لهذا التيار، لكن المقلق أن هذا لا يحدث لمصلحة تحديثٍ ثقافيٍّ وتربوي عربي، وإنما يحدث بفعل العولمة وأدواتها، ولصالح الاندماج الكامل في المنظومة الثقافية الغربية.

مقالات مشابهة

Facebook Comments