التضليل الإعلامي وسلوك الحشد

التضليل الإعلامي وسلوك الحشد

إعلام اللحظة، الذي ساعدت أجهزة الهواتف الذكية المتوافرة  في انتشاره، مكَّن الفرد، أياً كان مستواه التعليمي. أو خلفيته الثقافية، أو ميوله السياسية، من أن يكون  قناة بث من خلال موقعه على تويتر أو فيس بوك أو خلافهما، إضافةً إلى مقدرته في ثوانٍ على  رفع ما يطلقه من معلومات عبر فضاء الإنترنت، حيث الانتشار السريع. وفي حالة الصور بالذات، يمكنه التلاعب بها بالإضافة إليها أو الاقتصاص منها أو الاجتزاء في عملية مونتاج صغيرة لا تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين، لتصبح جاهزة ملائمة للأجندة التي يحملها، والأهداف السياسية التي يسعى للوصول إليها.

لكن الفرد لا يملك القدرة على التأثير على الرأي العام،  مثل الأجهزة الإعلامية الضخمة. تلك الأجهزة هي التي تؤثر ون خلال الصور وتحشد الناس. الصورة التي تم تداولها في بعض القنوات على أنها من مدينة حلب بينما هي  صورة قديمة لمجزرة  حدثت في غزة، تمثّل أحد الأمثلة البسيطة على التضليل الإعلامي الممنهج للجماهير. الصورة المستثيرة للعواطف، المغيِّرة للحقائق، ترافقها مجموعة صور أخرى، وحملات إغراق توجه الجمهور نحو خيار سياسي معين، على اعتبار أنه خيار أخلاقي وإنساني.

الإعلام المضلل يستغل عواطف المتلقين دون النظر إلى المصداقية، و يساهم في نظرتهم للأحداث حسب ما تمليه مصالح المال الممول له، وهو يستغل كل المساحات الممكنة في نشر التضليل: صحف ومواقع الكترونية وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي. الإغراق متعدد المصادر (ومنبع التضليل نفس المطبخ بالطبع) يحرّك “سلوك الحشد” على مواقع التواصل الاجتماعي، ونعني سلوك جماعات غاضبة ومنفلتة العواطف، حيث تغيب العقلانية لمصلحة الانفعال العاطفي، دون أدنى تساؤل عن صدقية الخبر أو الصورة، وكما يلحظ غوستاف لوبون في كتابه عن سيكولوجيا الجماهير، فإن هذه المجموعات المتفاعلة في مواقع التواصل الاجتماعي : “أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني المنطقي, وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي الذي يجعل شخصا ما يغطس في النوم فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعاذات أحد المحركين أو القادة الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها, وفى مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط في الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية التي ما كان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة”.

الحشد العاضب على تويتر لا يمكن النقاش معه، هو غاضبٌ وحسب. هل يمكن أن نناقش معه بديهية صحة الصورة والخبر؟، بالطبع لا، وكل من يتجرأ على تحدي هيمنة الإعلام المُضلّل لا يجني سوى اللعنات. لم يعد من مكان لنقاش موضوعي هادئ في ظل إعلام يعزز الاستقطاب، ويضرب عرض الحائط بأبسط قواعد المهنية، ويتحول سلاحاً في حربٍ مجنونة، ويضغط على عاطفة الناس يومياً بالصور الدموية، ليوظف هذه العاطفة سياسياً.

مع ذلك كله، لا يمكن أن يتفرج الفرد الواعي على عمليات التضليل الممنهج، دون أن يقول كلمة، وإن كانت مساهمتها بسيطة في فضح الكذب والتزوير اليوم، فإنها شهادة للتاريخ الذي لا يجب أن يكتبه المضلِّلون.

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments