الصّحافة السعوديّة: وزمن التحليل العقدّي

الصّحافة السعوديّة: وزمن التحليل العقدّي

في الوقت الذي نقف فيه على العتبات الأولى من العام 2017، فإننا للأسف لسنا بصدد حقبةٍ تكون فيها الصّحافة السعوديّة في أزهى عصورها. كانت الصّحافة السعوديّة من أوائل الحصون الإعلامية للتيار الحداثي – الليبرالي في مواجهة الأصولية الدينية التي كانت تهيمن تمامًا على المجال العام، بدءًا من منابر المساجد، إلى فصول المدارس، تشهد على ذلك فضاءات المدن المشغولة بأعمدة خيامها الدعويّة، وهذا قبل بزوغ فجر القنوات الفضائية، التي أسعفتها أمام وابل من رصاصٍ إذاعي توزعت أصداؤه بين الترددات، وهجمات الكاسيت حين كانت تحاصرها من كل جانب. هذا التاريخ يجد نفسه في واقعٍ يعاكس الحال الصحفي المعاصر، وما تعيشه مجمل الصحف في وقتنا الحالي. وهنا، لسنا أمام حديثٍ عن واقع المبيعات، أو حجم الاعلانات، وكل الأحاديث المرتبطة بالتطورات التكنولوجية الجديدة التي أضحت تهدد قطاع الصّحافة الورقيّة بالفعل، وإنما نحن أمام محتوى لم يعد كسابقه. محتوى ينطوي على كثير من التردّي، و الضعف، والانهزام في مواجهة الأعاصير الاقليمية التي تعصف بالوطن العربي، من حالات عنفٍ ذات طابعٍ طائفي، و احتراب أهلي، مما كان ينبغي على هذه المؤسسات الصحفية أن تقوم بدورها في مواجهتها، ومحاصرة آثارها، وكما كان يتوقع منها إثر تاريخها. وهو ما يقودنا بدوره إلى طرح العديد من الأسئلة حول هذا الضعف، والتراجع، والبحث فيه، وإعادة القراءة حوله.

في سلسلة صحفية، نشر الدكتور سلطان القحطاني، مقالات حول تاريخ الصّحافة السعوديّة، وكان قد أشار فيها للعديد من المراجع التي تحدثت حول هذا التاريخ، وتحولاته، والتطورات التي طرأت عليه، وقد وجد في الكثير منها اتفاقًا على أن الدور الأساسي الذي كانت تلعبه الصّحافة السعوديّة هو دور متقدم بالنسبة لمجتمع حديث النشأة بالدولة السعوديّة في حينها. فمنذ عبد الكريم الجهيمان، وعبد العزيز القويفلي، وأحمد السباعي. والعديد من الأسماء الصحفية السعوديّة الأخرى، كانت تمثل الصّحافة في ذلك الوقت صوتًا آخر غير الذي كان سائدًا. الأمر الذي كلفها الكثير بطبيعة الحال، ووضعها أمام مواجهات حدثت في حينها للعديد من الأسماء الصحفية مع مؤسسات رسمية، ومشايخ، ووجهاء، أدت في حوادث متفرقة لتوقف بعضها. فالمقال الذي نُشر باسم “أحمد عبد الله” في صحيفة “أخبار الظهران”، والتي كان يرأس تحريرها الأستاذ عبد الكريم الجهيمان، تسبب لها بمشاكل كبيرة، وكان يتحدث في حينها عن موضوع “تعليم المرأة”، وقبل صدور القرار الرسمي الذي يقضي بالسماح بتعليمها.

إن من شأن قبولنا بأن الصّحافة السعوديّة منذ نشأتها مثَّلت “رابطة أدبية” للعديد من السعوديين ذوي الاهتمام الأدبي، كما عبّر عن ذلك الأستاذ عبد الوهاب آشي، رئيس تحرير صحيفة “صوت الحجاز”، أن يوضح وبشكلٍ جلّي ما شهدته هذه الصّحافة من معارك أدبية بدايةً من مطلع ثمانينيات القرن الماضي، والتي يصطلح عليها بمعارك الحداثيين-والإسلاميين. ظهرت هذه المعارك في الملاحق الأدبية والصحف والتي أنتجت بدورها حراكًا: “أنتج طبقة ثالثة من أدباء وسطيين أسهمت في تفتيق وعيهم وجهات النظر المتعددة وبث مفهوم تنوع الآراء واختلاف الرؤى والمعايير، بل وبدأت أسماء منظرين ونقاد غربيين وعرب ونظرياتهم تطرق مسامعنا ونتلمسها بحدب ورصد؛ لأنه لم تكن هناك وسائل تواصل ولا فضائيات، بل كانت الصحيفة والمجلة نافذة لنا من العالم وإليه”.

ظل هذا متواصلًا طيلة آخر عقدين من القرن الماضي. فمنذ معارك الحداثيين-والإسلاميين في مطلع الثمانينيات، وحتى أواخر التسعينيات الميلادية. كانت الصّحافة السعوديّة تمر في ذروة عصرها الذهبي، وذلك بالنسبة إلى الحداثيين الذين ورثهم الاتجاه الليبرالي السعودي بعدئذ. فمع انطلاقة صحيفة الوطن السعوديّة، ودخول السعوديّة في عصر الإنترنت أواخر التسعينيات-بداية الألفية الجديدة. ظهرت طبقةٌ جديدة من الأقلام الصحفية في الحيز الثقافي. توزعت هذه الأقلام بين اتجاهين رئيسيين في طروحاتهم، وفي معالجتهم لقضايا الشأن العام. الأول، كان اتجاهاً في مواجهة الخطاب الإسلامي المحافظ اجتماعياً، وهو ما عبر عنه أصحاب هذا الاتجاه في قضايا مختلفة تتعلق بالانفتاح الاجتماعي، وقضايا المرأة التي كانت ذات رمزية مهمّة داخل الإطار نفسه. الاتجاه الثاني، إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تبعها من أحداث، كأحداث الرياض 2003، والغزو الأمريكي للعراق. حمل ملف “الإرهاب”، والتطرف الديني، ليشكل من خلاله مادة صراع بين تيارين أساسيين في الحقل الصحفي، والمشهد الثقافي عامةً، الليبرالي، والإسلامي. وكان الصراع ينفذ بذاته إلى سؤال أساسي يبحث عن جواب: من الذي يتحمل مسؤولية ما يجري؟، وكيفية فهم ذلك، وما سبل مواجهته؟ وعلى هذا، كان لابد من وجود التزامات منطقية في غاية الأهميّة. فمن كان يقف في مواجهة الإسلاميين عليه أن يجد لنفسه موقفًا ازاء ما يحصل بالعراق حينها، وفي نفس الوقت، ينبغي ألا يتناقض في هذا مع ما سبق من مواقف ضد الخطاب الإسلامي عامةً، والعكس صحيح.

أمام الحرب الأمريكية على العراق، مفترق أزمان، وقصّة. الصحافة السعودية مع العديد من مثيلاتها العربيّة جاءت ضمن مجموعتين رئيسيتين في توصيف الحرب وصورها. مجموعة أولى تحمل في طياتها صوراً سلبية عن الحرب، ومجموعة ثانية تحمل صوراً إيجابية. وقد كانت الصحف السعوديّة في المجمل ضمن المجموعة الأولى التي ذهبت في اتجاه التصوير السلبي للحرب، وترددت الصور السلبية باستمرار في عدد من الصحف، ومنها “الوطن السعوديّة”، لتأكيد موقفها من تلك الحرب، كحربٍ “مفروضة وغير شرعية، وحربٍ خاصة، و هزيمة مروعة للإنسانية، وحرب استعمارية، وحرب احتلالية، وعدوانٍ أمريكي بريطاني، وحرب إبادة أميركية بريطانية، وعدوان همجي، وحرب عدوانية، وحرب مجنونة، وعدوانًا مسلحًا، وغزوٍ أمريكي بريطاني”. [1]

انعكس هذا على طرح الكُتّاب السعوديين في الصحف المحليّة تجاه ظواهر الحرب، ومن أهمها ظاهرة الجماعات المسلّحة، والمليشيات الطائفيّة التي تشكلت حينذاك في مواجهة الغزو، والاحتلال. وبالطبع، فإن هذه الجماعات والمليشيات لم تكن في مواجهة الغزو وحسب، بل اتجهت في بنادقها نحو بعضها البعض في حربٍ أهلية طاحنة، وعنفٍ طائفي تفجر في العراق بعدئذ. وهو ما ساهم بدوره في انقسام الكُتّاب السعوديون في الموقف منها. وكان الموقفان الرئيسيين هما: موقف مع مقاومة الغزو، والاحتلال، ويرفض في نفس الوقت الاعمال القتالية ذات الطابع الطائفي. وآخر رافض تمامًا لكل المسألتين، ويبرر رفضه لمقاومة الغزو، والاحتلال بأنه تصدّي لعراقٍ جديد كان قد بدأ يتشكّل بعد سقوط الدولة العراقيّة السابقة. إلا أن المشترك فيما بين هذين الموقفين هو رفض المنحى الطائفي الذي بدأ يستشري بين هذه المجموعات والمليشيات. ومن المثير أن صحيفة الوطن السعوديّة انحازت في موقفها ذلك الوقت إلى مستوى “انتقاد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسطوتأكيدها على الربط بين تلك الحرب، ومصلحة إسرائيل في المنطقة”.  [2]

في مجمل ما يمكن ملاحظته. كانت الصّحافة السعوديّة و نخبها تعبّر عن ذاتها عبر قيامها بدورٍ متقدم اجتماعياً، وفي مواجهة متواصلة ومستمرة مع الخطاب الإسلامي الذي كانت تقدّمه، وتمنحه وصفًا يتمثل في كونه حجر عثرة على طريق التطور، والإصلاح داخليًا، وأنه يجب على الدولة أن: “تستوعب التطورات العالمية وترفع هيمنة المتدينين على البلدواستمرار سيطرة الوهابيين ستجعل السعودية بلد خارج السياق ولا ينتمي للقرن الواحد وعشرين [3] بالإضافة لذلك، فإنها كانت تقود نقاشاتٍ عمومية بمثابة المراجعات الفكرية والثقافية، والتي كانت شبه محرمة لعقودٍ طويلة، وذلك حول الخطاب الجهادي والأصولي، وتتطرق لملفات الإرهاب والتطرف الديني، والعنف الطائفي. هذا الذي تمظهر بشكلٍ أكبر وأوسع في القضية العراقيًة فيما بعد الغزو الأمريكي، والذي كانت تقف فيه موقف الرافض لشرعية هذه الحرب، ومن ثم موقف الرافض للأعمال القتالية ذات الطابع الطائفي التي كانت تجري في موازاته. ويمكن التدليل أكثر على هذا الرفض في سياق زمني كانت فيه الأجواء العامّة تتحدث عن حوارٍ وطني كان قد انطلق وتوّسع من خلال الموافقة الرسميّة على إنشاء “مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني” في العام 2003. هذا المركز كان يعمل على استضافة لقاءات وطنية واسعة بين مختلف الشرائح الاجتماعية، والطوائف، وقد بدأ لقاءه الأول في حينها تحت عنوان: “الوحدة الوطنيّة، والعلاقات، والمواثيق الدوليّة“. وكانت أولى جلساته معنونة تحت شعار: “التشدد، والتطرف: الواقع والمظاهر“. [4]

  • نواف عبيد. الرصاصة الأولى

الجمعية الوطنية الانتقالية العراقية تشكّلت. الدستور العراقي الجديد الدائم تم التصويت عليه. الانتخابات انتهت للتو. وهذا هو الإعلام الأمريكي، والعراقي، قد بدأ بالحديث حول الاتفاقية (SOFA) المزمع توقيعها بين الولايات المتحدة والعراق، والتي تقضي بتحديد إطار زمني للتواجد الأمريكي العسكري المباشر، وترتيبات الانسحاب، وشكل وقانونية البقاء الأمريكي العسكري، والأمني في العراق فيما بعدها. هنا، بدأت القضية العراقية تأخذ منحى إقليمي آخر.

في يوليو العام 2006، يصل رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي إلى الرياض، وتأتي الزيارة في محاولة لبدء علاقات جديدة، وجيدة مع دول الجوار، وخصوصًا الدول الخليجية، والتي لم تكن علاقتها مع الجار العراق على ما يرام طيلة العقود الماضية خصوصًا منذ حرب الخليج الثانية 1991. ظهر في الكثير من التقارير الصحفية إشارات إيجابية كبيرة حول هذه الزيارة، وحول المحادثات التي أجريت بين السعودية والعراق. وكما هو الحال، فإن العديد من المقالات لعامي (2006-2007)، كانت تتحدث بإيجابية حول شخصية المالكي، وحكومته.

مع تراكم، وتدحرج “المظلوميّة السُنّية” في لبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وذلك منتصف فبراير عام 2005، إلا أنها كانت تنسج خيوطها في المجال السياسي اللبناني لوحده، ودون تداعياتٍ في ذات المستوى داخل الصّحافة السعوديّة، والتي كانت تحذر حينها بعناوين عريضة من الفتنة في لبنان. إلا أن القلق الناجم من الحديث الإعلامي المتكرر حول الاتفاقية الامريكية-العراقية المزمع توقيعها، وآثارها المتوقعة. بدا واضحًا على عددٍ من التصريحات الرسميّة السعوديّة، مثل تصريح وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، والذي تحدث فيه بوضوح عن تسليم كامل العراق إلى إيران: “دون مبرر“. الأمر الذي دفع مستشار السفير السعودي في واشنطن، نواف عبيد، وفي أول تعليقٍ من أحد أشهر النٌخب السياسيّة السعوديّة، ومن داخل الإطار الرسمي، إلى كتابة مقالته الشهيرة، والتي نٌشرت في الواشنطن بوست، تحت عنوان: “Stepping into Iraq“. تحدث فيها عبيد بوضوح عن نوايا رسميّة سعوديّة بالتدخل عسكريًا في العراق لحماية “السُنّة” من الإطاحة بهم.

إن من شأن التداعيات الرسميّة إثر مقال عبيد، والتي حضّت السفير السعودي في واشنطن الأمير تركي الفيصل، على إصدار بيانٍ رسمي يعلن فيه إقالة عبيد من منصبه كمستشار، مبرراً ذلك بشعوره: ” أن بإمكاننا إضافة المزيد من الصدقية إلى مزاعمه كمتعاقد مستقل بإنهاء اتفاقنا الاستشاري معه“. أن تفصح عن حساسية رسميّة تجاه أمرين أساسيين. الأول، وبطبيعة الحال، الرفض التام للحديث حول أي تدخلٍ في الشؤون الداخلية العربيّة، وهو المبدأ الذي ما توقفت السياسة الخارجيّة السعوديّة عن التأكيد عليه دائمًا. الثاني، الحساسية العالية من اصباغ أي فعلٍ سياسي، صبغةً ذات طابعٍ طائفي. فالحديث عن تدخلٍ عسكري في العراق لحماية “السُنّة”، هو حديث طائفي الشكل، والمعنى، وقد كانت الصّحافة السعوديّة غير متحمسة لكثير من تفاصيله حتى ذلك الحين، وهو الأمر الذي يقودنا إلى الانتباه بأن مقالة عبيد لم تنشر في أي من الصحف المحليّة، ونشرت في صحيفة أمريكية.

لكن، مع الأخبار المتواترة حول منع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، من دخول السعوديّة، ورفض زيارته إليها منتصف العام 2007. وما تبعها من اخبار، وتداعيات. بدءًا من توتر العلاقات العراقيّة-السعوديّة مجددًا إثر رفض الزيارة، وتبادل التصريحات شديد اللهجة بين الطرفين. وصولًا إلى لحظة توقيع الاتفاقية العراقيّة-الأمريكية . تنامت ظاهرة جديدة في الصّحافة السعوديّة، وعادت للانطلاق من الواقع “اللبناني” لتشكيل إطار “المظلومية السُنّية”، لاسيما بعد أحداث السابع من أيار – مايو العام 2008، والتي جرت في العاصمة بيروت، وعدتها بعض الصحف اللبنانية على أنها: “كربلاء سُنّية“. ظهر أحد أهم الكُتّاب السعوديين، طارق الحميد، والذي كان يشغل في حينها منصب رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط. وفي مقالة منشورة له تحت عنوان: “هزيمة حزب الله“، ليتوعد: “لن ينسى أهالي الضحايا ضحاياهم، ولن ينسى العرب، مهما ادعوا، ما فعله حزب الله الإيراني في مناطق السُنّة في بيروت”. لتعلن بذلك الصّحافة السعوديّة بدايات “التحليل العقدي” للظواهر السياسيّة على صفحاتها، وتقاريرها، ومقالاتها. وإنْ كانت هذه البدايات خجولة في حينها، وتأتي بشكل متقطع بين وقتٍ وآخر، إلا أنها بدأت تُظهر ملامح انزلاقها نحو هذا الإطار التحليلي، والذي كان بدوره مقدمةً أولى نحو ساعة الانفجار المقبلة.

  • الصّحافة السعوديّة، والسُنّة. موعد مع الانفجار

حربُ على أهل السنّة، ونصيرية، ومجوسية، وصليبية. أوصاف ترددت كثيرًا بالصّحافة السعوديّة في خضم العواصف الإقليمية الجارية بالمنطقة. ففي مقالٍ منشور بصحيفة الرياض، وتحت عنوان: “عن مكة والمجوس والمتصهينين”، يتحدث عبد الله الناصر، عن: “تفريغ بلاد الشام من اهله العرب السنة”، وعن تآمر: “غربي لطمس الهوية العربية من بلاد الشام وتحويلها إلى نصيرية مجوسية فارسية”، مؤكدًا على أنها: “حرب صليبية فارسية لإبادة العرب السنة، وكأن التاريخ يعيد نفسه ورحم الله ابن تيمية فها نحن نرى ما كان البعض ينكره عليه”. إلى مقالٍ منشور في صحيفة الشرق الأوسط، وتحت عنوان: “الحرب على السنّة العرب”، يتحدث مشاري الذايدي، وهو كبير المحررين في الصحيفة نفسها، عن أن العدوان الحالي على العرب، والسنّة: “ليس توهمًا، بل واقع يُرى، وليس رأيًا سنّيًا فقط، بالمعنى الاجتماعي للانتماء السنّي، بل هو رأي نخبة من الكُتّاب العرب من غير المتحد السنّي”. وكان قد أشار في ذلك إلى أنه قد نُشر مقالان في ذات إطار التحليل العقدّي آنف الذكر. الأول في الصحيفة نفسها، للكاتب إياد أبو شقرا، أفصح فيه بوضوح عن أن: “ما هو ماثل أمامنا باختصار حرب فعلية على العرب السنّة”. والثاني للكاتب حازم صاغية، في صحيفة الحياة، يؤكد فيه: “تتعرض السُنّية العربيّة، حضورًا، ولونًا، لمذبحة كبرى، مذبحة ربما رسمت ممرًا إلى ما يوصف بالخرائط الجديدة”.

وفي جانبِ آخر، يستعرض الكاتب وليد فتيحي، وفي صحيفة الوطن، تاريخ العلويّة، وما فعلوه بأهل السنّة، وتحت عنوان: “ماذا تعرف عن النصيرية “العلوية”؟”، يتحدث: “استطاع العلويون النصيريون في العصر الحاضر أن يتغلغلوا في التجمعات الوطنيَّة في سورية، وقَوِيَ نُفُوذهم واستطاعوا السّيطرة على رئاسة الحكومة السورية”، وأنهم لم يتركوا: “فرصة في الماضي أو الحاضر لإيقاع أكبر المجازر بالمسلمين من أهل السنة إلا واستغلوها”، وذهب بعد ذلك في سرد لهذه المجازر التي ارتكبوها العلويون بحق أهل السنّة. وفي مقال آخر للكاتب خلف الحربي، وفي صحيفة عكاظ. جاء تحت عنوان: “لماذا يفشل حكم الشيعة؟”، قام الكاتب في مقارنة لتجارب الحكم بين الأنظمة السياسيّة العربيّة بوصفها دولًا طائفيّة، ويتحدث عن فشل الحكم الشيعي في دولٍ كالعراق، ولبنان، وعائد هذا الفشل هو أن المذهب الشيعي يقوم على: “فكرة المظلوميّة”، ولذلك هو يفشل حين يجد نفسه فجأةً في موقع الحكم، في مقابل: “الحكومات السُنّية، ديمقراطية كانت أم ديكتاتورية، رشيدة كانت أم فاسدة، فإنها مثل كل الحكومات في العالم، تبحث عن مصلحتها أولًا، وتسعى دائمًا للحفاظ على كرسي الحكم… وتحافظ على حالة الاستقرار التي تبقيها في سدة الحكم، وهذا منطق سياسي تعجز عن الوصول إليه كل الأحزاب الشيعيّة اليوم بسبب إبحارها الذهني الدائم في غياهب التاريخ”. وفي الحقيقة أمام هذه النظرية السياسيّة المبهرة من الكاتب خلف الحربي، لا أعرف ما هو تفسيره إذًا لحكم تنظيم القاعدة السُنّي في أفغانستان، كذلك، التجربة السودانية، والتي ذهبت للتقسيم!

وفي ذات الصحيفة، يرى الكاتب خالد الفاضلي، وتحت عنوان: “التمدد الشيعي مقابل الانحسار السوفيتي”، بأن هناك تمددًا شيعيًا قد ورث الفراغ السوفيتي بالمنطقة، وحتى: “وصلت الرايات السوداء إلى بياض حلب الصهباء حاليًا”. وفي سياق التمدد الشيعي ذاته. نشرت صحيفة الجزيرة تقريرًا جاء بعنوان: “الأزهر يعلن تأييده للتحركات العربية الداعمة لعودة أمن واستقرار اليمن وسلامة أراضيه”، وذكرت نقلاً عن الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بأنه يجب: “على القوات المسلحة المصرية والعربية أن تتصدى لهذا الخطر الداهم الذي يهدد الدين”، في إشارة لأهل السنّة، وردًا على أن إيران تقوم بتصدير الثورات الشيعيّة.

وعلى الجهة المقابلة من الكُتّاب الصحفيين السعوديين، والذين انخرط كثير منهم في التفسيرات العقدّية للظواهر السياسيّة، والتقارير الصحفية من بعدهم ما كانت تهدأ بين وقتٍ وآخر عن ذكر الخطر الداهم المحدق على أهل السنّة والجماعة، وتهديدات الأفول التي تنتظرهم. تنشط في الصحف السعوديّة موجة جديدة تتمثل في استقطاب الكُتّاب العرب الذين يبدأ مشوارهم الإعلامي في غالب الأحيان من وسائل التواصل الاجتماعي، ومواقع الإنترنت. مثل الكاتبة الصحفية احسان الفقيه، والتي تم استقطابها في صحيفة الحياة، وكانت قد اشتهرت من قبل على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلال موقع “التقرير” الإلكتروني، بوصفها قلمًا يدافع عن أهل السنّة والجماعة، ويقود حربًا ضد المذهب الشيعي وأتباعه، أولئك الذين يدفعهم منهجهم إلى: ” إبادة أهل السُنّة والسيطرة على بلادهم عبر أساليب دنيئة وخسيسة”. كذلك الكاتب الصحفي جيري ماهر، أو دانييل الغوش، وهو اسم من عدة اسماء مختلفة يستخدمها للكتابة كما أشار لذلك بأحد مقابلاته، تم استقطابه في صحيفة الوطن مؤخرًا، وهو أيضًا اسم ذائع الصيت على مواقع التواصل الاجتماعي كقائد جبهة في مواجهة الشيعة، والتشيّع، والذي يرى أن المملكة العربيّة السعوديّة تحمل على عاتقها مسؤولية مواجهة خطر: “التمدد الشيعي في المنطقة”.

إن مما يمكن أن نخلص إليه في النهاية. أن التمايز الذي كان واقعًا في المشهد الثقافي السعودي لعقدين أو ثلاثة من الزمن، بين المجال الإعلامي، والصحفي الذي يهيمن الليبراليون على سواده الأعظم، في مقابل الإسلاميين ممن هم خارج هذا المجال، أو ذوي حضورٍ قليل فيه ومحدود، شبه مُنهار سياسيًا بالأخص. الفريقان يجتمعان في الوقت الحالي على الوهم العقدّي في تحليل الظواهر السياسيّة. ولم يتوقفوا عن التأكيد على الدوافع العقدّية خلف كل موقف، وخلف كل فعل سياسي. هذه النظارة التي يرون بها أنفسهم، و يشاهدون بها العالم، ويفسرون بها كل شيء. هذا في جانب، وفي جانبٍ آخر، فإن هذا يمثل هزيمة نكراء في حق المروية العقلانية، والدور الحداثي المتقدم التي كانت تقوده الصّحافة السعوديّة طيلة العقود الماضية بالنسبة للمجتمع السعودي. وها هي تلحق بنفسها خلف المنشورات السلفيّة-الأصولية في كل افتتاحية صحافية و مقال و تقرير، لا تتأخر فيه عن قراءة وتفسير كل موقف وكل تحرك سياسي إقليمي إلا بوصفه مواجهة مع عداء تاريخي أزلي ينطوي على ثارات دينية، وكل موقف هو عقدّي، وكل تحرك إقليمي يمنة ويسرة إنما يستهدف أهل السنّة والجماعة أولًا.

ومن الأهمية بمكان طرح عدد من الأسئلة عن هذا التحوّل الذي طرأ على الصّحافة السعوديّة، وما بين زمنين فارق عمرهما قصير في حساب الأزمان. عقد ونيف على زمن “الحوار والتعايش” القصير، في مقابل زمن “التحليل العقدّي” المتفجر من حولنا. ما الذي حدث للصّحافة السعوديّة؟ كيف أصبح الليبراليون السعوديون في كثير من أطيافهم وكأنهم يعملون على تحرير مواد عقدّية في منشورات فصائل جهادية؟ وما هو فهم الطائفية بالنسبة لهم؟ وكيف يمكن لهم أن يجيبوا على الفارق الذي عاشوه فيما بين هذين الزمنين؟ فكيف لهم أن يؤسسوا مناخًا “للحوار والتعايش”، و يساهموا في تخفيف آثار الأزمات والحروب المحيطة، والتي تنتشر في أرجائها فصائل طائفية، ومليشيات تقتل على الهويّة، وهم في الوقت نفسه لا يترددون لحظةً واحدة عن مواكبتها في التحليل، والرؤية، والاستنتاج، والفهم؟

إن هذا الغرق الحاصل في “التحليل العقدّي”، لا يمكن أن يكون غريبًا بدرجةٍ كبيرة إذا ما تم فهم انسياق كثير منهم مع الدعاية الغربية، والأمريكية نفسها التي ما تفتأ هي الأخرى على قراءة الظواهر السياسيّة في الوطن العربي ألا بوصفها صراعًا مريرًا بين السُنّة والشيعة، وهو ما اعتاد عليه كثير من الاستراتيجيين الغربيين، وما اعتادت عليه كثير من مراكز البحث الغربية، وذلك في قراءتهم المستمرة للواقع العربي، وفي كل محاولة مقاربة منهم للأصول السياسيّة لدوّلهم  بالعودة إلى المستشرقين القدامى، وفي النظر إلى العرب كُتلًا من الطوائف، وجمعًا من القبائل، ودون أي ترددٍ و حرج. وهكذا كانت الطائفية السياسية في الوطن العربي منذ مهدها. منتجًا غربيًا بالدرجة الأولى كما تشهد الكثير من الحقائق التاريخية فيما فعله الاستعمار على امتداد الخارطة العربيّة.


المراجعات:

  1. عبدالله كندي, تغطية الصحافة العربية للحروب, دراسة في فلسفات التغطية، ومضامينها. ص 194
  2. المصدر نفسه، ص 184
  3. خالد الدخيل: الوهابيون أفسدوا البلد وهيمنتهم تعزل السعودية, صحيفة إيلاف الإلكترونية, 30 أبريل 2006.
  4. الموقع الإلكتروني الرسمي للمركز

مقالات مشابهة

Facebook Comments