الحظر الأميركي الجديد: بداية الحروب التجارية؟

الحظر الأميركي الجديد: بداية الحروب التجارية؟

لا ينبئ الحظر الإلكتروني الأميركي الجديد، فحسب، بخسارات كبرى لشركات الطيران المتمركزة في الخليج والشّرق الأوسط، بل قد يكون بداية لسياسة حمائية جديدة في أميركا ترامب، يمثّل الحظر ــ الذي تسربل باعتبارات أمنيّة ــ أولى خطواتها. الشّركات الخليجيّة «المعولمة»، التي تعتمد على الأسواق الغربية ونقل الركّاب بين القارّات، قد تكون الضحيّة الأولى لهذا العهد الجديد.

حتّى نبسّط مفهوم «العقدة»، أو «المحور» (Hub and Spokee) في الطّيران المدني، ولماذا يعتمد عليها النموذج الاقتصادي لشركات الطيران الكبرى في الخليج، والدّور الذي تلعبه مطارات دبي والدوحة وإسطنبول، يمكننا أن نستخدم المثال الآتي: منذ عشرين سنة، لو كنت بريطانياً من أصل هنديّ، تسكن في مانشستر وأهلك في غوجارات (مدينة أحمد آباد مثلاً)، فإنّ رحلتك من بريطانيا إلى مسقط رأسك ستكون على هذا النحو: عليك أن تأخذ طائرة داخلية (أو قطاراً) من مدينتك في بريطانيا إلى العاصمة لندن لتستقلّ مطار هيثرو (المزدحم والفوضوي والقذر)، وستأخذك الخطوط البريطانية أو الهندية إلى مومباي أو كلكوتا، ثمّ تحجز طائرة داخليّة ثالثة تنقلك إلى مقصدك النهائي في أحمد آباد.

نظام «العقدة» ــ نزعم أنّ اللبنانيين و«طيران الشرق الأوسط» كانوا من أوّل من طبّقه في العالم في أواسط القرن الماضي ــ يعني أنّ المسافر نفسه اليوم ما عليه إلّا أن يحجز بطاقة على طيران «الإمارات» أو «الاتّحاد»، فتقلّه من مسكنه في مانشستر مباشرة إلى أحمد آباد مع وقفة ترانزيت واحدة في الخليج، وبسعرٍ أقلّ. هذه الشّركات خلقت «عقدة عالميّة» عبر وصل كلّ المطارات في الغرب (بما فيها مطارات «ثانوية» كمانشستر وبرمنغهام وهامبورغ في أوروبا، وهيوستن وسان فرانسيسكو في أميركا) بشبكة واسعة مماثلة في الهند وشرق آسيا.
إضافة إلى ذلك، أنت ستقضي الـ«ترانزيت» في مطارٍ كدبي أو الدّوحة، حديث ونظيف وفيه سوق حرّة هائلة ومطاعم وكلّ ما يرغب فيه المسافرون (وما يراه ركّاب الدرجة السياحية، بالمناسبة، لا يُقارن بالصالونات وبالتجهيزات الفخمة التي تقدّمها هذه المطارات لزبائن درجة الأعمال و«الدرجة الأولى»، وهم الغنيمة الأساسية التي تتنافس عليها شركات الطيران). كذلك ستستقلّ طائراتٍ حديثة وضخمة مع خدمة ممتازة، ونظام التسلية والترفيه الذي ركّبته «طيران الإمارات» على مقاعدها ــ «آيس» ــ هو بلا شكّ الأفضل في العالم. من هنا يمكن أن نفهم ــ بالمعنى التجاري البحت ــ النّجاح الذي حقّقته شركات الخليج (وأخيراً الطيران التركي) في التحوّل إلى واسطة لنقل الركّاب في الرحلات البعيدة المدى، وإلى كابوسٍ للشركات الغربيّة العريقة التي كانت تحتكر هذه الأسواق.
بحسب أرقام «بلومبرغ»، فإنّ عشرين في المئة من كلّ المسافرين الخارجين من الهند يطيرون اليوم على متن الشركات الخليجية الثلاث (الإمارات والاتحاد والقطرية)، ويقول الإعلام التركيّ إنّ الشّركات التي استهدفها الحظر الأميركي على الأجهزة الإلكترونية تنقل أكثر من عشرين ألف راكب يومياً إلى الولايات المتّحدة على متن أكثر من خمسين رحلة كلّ يوم، وإنّ الطيران التركيّ وحده يحصّل أكثر من مليار دولار سنوياً من هذا السّوق.

حظرٌ أمني؟

الحظر الأميركي المفاجئ، الذي يمنع أكثر الشركات الشرق أوسطيّة من نقل أجهزة إلكترونيّة أكبر من الهاتف في مقصوراتها، كان إشكاليّاً لسببين: أوّلاً، لأنّ تأثيره في أعمال هذه الشركات سيكون جديّاً ومحسوساً. وعدا فكرة أنّ الكثيرين من النّاس لا يحبّذون وضع حواسيبهم والأجهزة الحسّاسة والثمينة في الشّحن، ليلعب بها الحمّالون كرة القدم، فإنّ عدداً من الشّركات تمنع موظّفيها من تحميل حواسيبهم في بطن الطائرة كسياسة، خوفاً من سرقتها وضياع المعلومات التي تحتويها. كذلك فإنّ رجال الأعمال، الذين يشترون البطاقات الغالية ويصنعون أرباح هذه الشركات، هم أكثر من يحتاج إلى العمل على الطائرة في خلال رحلاتهم. كلّ هؤلاء الزبائن لن يتمكّنوا، بعد اليوم، من استخدام «الإمارات» أو «التركية» في تنقّلاتهم بين أميركا والشّرق، إن لم يمتدّ الحظر إلى دول غربيّة أخرى (طبّقت بريطانيا حظراً شبيهاً بالمرسوم الأميركي، ولكن مع استثناء دول الخليج).

الإشكالية الثانية هي أنّ كثيرين من الخبراء والمراقبين غير مقتنعين بالتبرير «الأمني» خلف هذا القرار. منطقيّاً، لو كانت «القاعدة» ستنقل قنبلة مركّبة في «آي باد»، ولو افترضنا عدم إمكان تفجيرها عن بعد، ففي وسع المفجّر، ببساطة، أن يأخذ رحلةً من دبي إلى الهند أو فرانكفورت أو أيّ مكان آخر، مع أداته المميتة، ثمّ يطير منها إلى أميركا، بحيث لا يقع تحت الحظر. ولو كان الخوف هو من أن تستخدم هذه المعدّات لـ«تهكير» الطّائرة، يقول خبير كمبيوتر لـ«بلومبرغ»، فإنّ الهاتف الذكي هو في هذه الحالة كمبيوتر.
قد يكون الفعل مبرّراً لو كانت هناك معلومات استخبارية دقيقة عن هجومٍ محتمل (كمثل أنّ فلان الذي نراقبه قد اشترى بطاقةً على متن شركةٍ معينة، وهو قد ينوي تنفيذ هجوم في خلال هذا التاريخ)، وهذا يعني أنّ الحظر يكون مؤقّتاً وقصير المدى، كما حدث في حالاتٍ عدّة في الماضي. ولكنّ بيان «طيران الإمارات» يشير إلى أنّ الحظر الأميركي سيستمرّ، إلى الأقل، حتى تشرين الأول/أكتوبر 2017 وقد يُجدَّد. كذلك إنّ «أسوشيتد برس» قد نقلت عن مسؤولين أميركيين وبريطانيين ــ لم تسمّهم ــ أنّ الحظر ليس متعلّقاً بأي تهديدٍ مباشر أو معلومة جديدة، بل هو نتيجة «تقديرٍ مستمرّ لوضع الأخطار».
قبل يومين، سرّبت الإدارة الأميركية، في محاولة للتبرير، نسخة «هوليوودية» معاكسة إلى الصحافة، تقول إنّ الغارة الأخيرة على اليمن (التي قتلت أميركا فيها عشرات المدنيين) قد أدت إلى حيازة وثائق تشير إلى أنّ «القاعدة» تخطط لبناء قنابل يجري تجميعها داخل الطائرة من عدّة مكوّنات ــ ومن هنا السّماح بنقل الإلكترونيات بعيداً عن الرّكّاب ــ وهو ما أوجب الحظر. بعد هذه الرّواية، التي تشبه سيناريو ألعاب الفيديو، تيقّن من كان لا يزال لديه شكّ في أن هناك كذباً وتضليلاً في الموضوع.
في البداية، رأى البعض ــ وهو كان موقف «واشنطن بوست» ــ أنّ حظر الإلكترونيات ما هو إلّا إجراء «عنصريّ»، يميّز ضد الشركات «المسلمة» ويهدف إلى مضايقة الركاب من هذه البلاد والتقليل منهم، كاستكمالٍ واستبدالٍ لـ«حظر المسلمين» الذي لم ينجح ترامب في تمريره. ولكنّ الرأي الأغلب اليوم أنّ هذا الإجراء، إن لم يكن لأسبابٍ أمنيّة، فما هو إلّا شكلٌ خفيّ من «الحرب التجارية»؛ وأنّ الولايات المتّحدة (وقد تتبعها دول في الاتحاد الأوروبي) قادرة بهذا الشّكل على استخدام حجّة «الأمن» لضمان أفضلية تنافسية لشركاتها وضرب المنافسين.

في الولايات المتّحدة، منذ أكثر من سنتين، تقود الشركات الثلاث الكبرى حرباً علنيّة ضدّ منافساتها من الشرق الأوسط، التي أخذت في التوسّع في السوق الأميركي بوتيرةٍ عالية. ويشرح مديرو الشركات الأميركية ولوبياتها، باستمرار، أنّ هذه المنافسة «غير عادلة»، وأنّ الشركات العربية تتلقى دعماً كبيراً غير منظورٍ من حكوماتها النفطية، وأنّ على السياسيين الأميركيين منع هذه الشركات الأجنبية من التوسّع وحيازة خانات إقلاعٍ إضافية في المطارات، و«سرقة» الأرباح من الشركات الوطنيّة (على خطّ أميركا ــ دبيّ، مثلاً، استسلمت الشركات الأميركية بعد منافسة قصيرة، وألغت آخرها السنة الماضية آخر خطٍّ إلى الإمارات؛ والحال نفسه بين أميركا والهند، حيث لا نجد اليوم إلّا رحلةً يومية واحدة مباشرة تنفّذها شركة أميركية). هذا الإجراء قد يمثّل، بمعنى آخر، وقوف ترامب إلى جانب شركات الطيران الأميركية في صراعها مع المنافسين الأجانب.

أن تثق بـ«العولمة»

في الأساس، مع أنّ شركات الطيران في أكثر الدول الغربية قد احتجّت على المنافسة القادمة من الشرق، فإنّ الحكومات الغربيّة لم ترضخ تقليدياً لها، ولم توافق على خرق مبادئ حرية التجارة والأجواء المفتوحة لغايات قوميّة تجارية (هناك استثناءات، كندا مثلاً استمعت إلى شكاوى الطيران الكندي وحدّت من توسّع «الإمارات»). هذا لم ينتج من حسٍّ بالعدالة أو التزامٍ أعمى بمفهوم حرية التجارة، بل لأنّ هذه الشّركات، وإن أضرّت بأساطيل الطيران الغربية، فإنّها مفيدة للاقتصاد الغربي ككلّ. القيمة الأساس في شركة الطيران هي ثمن الطّائرات، وهذه كلّها يشتريها العرب من «بوينغ» و«إيرباص» حصراً، والمطارات تبنيها شركات غربيّة، بل إنّ أغلب المديرين التنفيذيين في هذه الشركات «العربية» هم بريطانيون وغربيون.
أسطول «الإمارات» الحالي ثمنه أكثر من مئة مليار دولار، كلّها ذهبت إلى «بوينغ» و«ايرباص»، والحال مماثلة في «القطرية» و«الاتحاد». هذه الدّول، اذاً، تقوم فعلياً بـ«تشغيل» الطائرات الغربية وقد صارت أكبر زبائنها (لولا «الإمارات»، مثلاً، لكانت طائرة «ايرباص» العملاقة، اي-380، أفشل طائرةٍ في التاريخ). ولو كان لا بدٌّ من منافسةٍ على مستوى عالميّ، فالأفضل أن يتولّاها أمثال الإماراتيّون والقطريّون، على أن تخرج شركات هندية أو صينيّة كبرى، قد تبني غداً طائراتها الخاصّة بها.
لهذه الأسباب أيضاً، إن الهدف الذي اختاره ترامب «سهل». احتجّ الأتراك بشدّة على القرار الأميركي والبريطاني، ولكن الخليجيين لم ينبسوا بهمّة اعتراض. الطّريف هنا هو أنّ مطار أبو ظبي، مثلاً، يطبّق إجراءً استثنائياً في الرحلات إلى أميركا، اسمه «التدقيق المسبق» (pre-clearance) ومقتضاه أن تعبر تفتيش الجمارك والهجرة الأميركية وأنت في أبو ظبي، قبل أن تركب الطائرة وتحطّ في البلد (حين تصل إلى أميركا، تدخل من دون إجراءاتٍ وأمن، كأنك في رحلةٍ داخلية). وهو تنظيمٌ يستلزم اقتطاع جزءٍ من مطارك ليستخدمه موظّفون أميركيون حكوميون، وفيه انتهاك بـ«التراضي» للسيادة، ولكن سلطات أبو ظبي وافقت بحماسة لتسهيل الصلات بينها وبين الأميركيين، فكان الردّ بتطبيق الحظر عليهم.
في كلّ الأحوال، ليس أمام المتضرّرين هنا وسائل حقيقية لـ«الاستئناف»، فالمسألة تخصّ الأمن والسيادة، وإن ظاهراً، وقطاع الطيران المدني لا تغطّيه قواعد منظّمة التجارة الدولية ولا يمكن التشكّي لها أو طلب تعويض (على عكس قطاع صناعة الطائرات). التّبعيّة، مثل المقاومة، لها أثمانٌ كبيرة، ويبدو أنّ دونالد ترامب صادقٌ في نيّته تحصيل «الجزية» من الأتباع، وهذا الحظر قد يكون الدّفعة الأولى.

مقالات مشابهة

Facebook Comments