تغريب الإعلام: كوريا الشمالية نموذجا

تغريب الإعلام: كوريا الشمالية نموذجا

 

يُمارس الإعلام الغربي تنميطا للمفاهيم والقيم عند تقييمه للآخر المختلف عنه؛ والذي ليس لزاما أن يكون منبع هذا الاختلاف ثقافي بحت، ولكن أصله خلاف سياسي واقتصادي، إذ تتم مباشرة شيطنة الآخر وحصره في زاوية القبيح الرجعي والمثير للسخرية، والتسليم بأن هذا المختلف بالضرورة يُعاني وغير راضٍ عن نفسه نظرا لعدم التحاقه بفكر ونمط حياة الغرب، في تأكيد على أن المجتمعات الغربية هي النموذج البشري المثالي والمُتقدم.

ونظرا لبسط النفوذ الغربي، والأمريكي تحديدا، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وبالتالي إعلاميا، وبناء على ما يترتب على كل هذا من مخرجات ثقافية، صار العالم منقسم إلى فسطاطين؛ فسطاط ملتحق بالركب الغربي ولو لم يكن بحيزه الجغرافي، وينظر لنفسه بأنه صاحب علو كعب على الآخرين؛ بحكم حليف القوي النافذ. فيما الفسطاط المقابل متمرد على هذا التنميط ويقدم نفسه بصورة أخرى تخصه ونابعة من بيئته.

ومن نافلة القول، التأكيد على أن حالة التردي العربية جعلت المواطن ترس صغير واقع تحت تأثير هذه الهالة الضخمة، ويعمل دون قصد منه ضد مصلحته الوطنية والقومية، نظرا لما للأعلام الغربي من تأثير، عبر منصاته وأدواته الناعمة، فبات يتم ترديد اسطوانات الإجحاف والتجني بحق الآخرين، مع إغفال ضلالات هذا النموذج وحقيقته، وفي انخراط تام في خدمة السياسيات الغربية. ويجب التأكيد هنا أن القصد ليس الدفاع عن كوريا الشمالية أو سياساتها، حيث توجد نقود وملاحظات عليها، إلا أن هناك إدراك بأن هذا التشويه لا ينطلق من موقف مبدئي لدى الناقد، بل هو مرتهن بخضوع كوريا الشمالية للمصالح والمطامع الغربية، والذي إن حدث سرعان ما ستتحول لدولة حضارية ومضرب للمثل، تماما كما يروج عن جارتها الجنوبية.

نقض الخطاب الغربي/العربي

يردد طيف غير قليل من العرب تصنف كوريا الشمالية المُشاع في وسائل الإعلام الغربية عبر وصفها بأنها دولة متخلفة عن ركب الحضارة، ومنعزلة عن العالم الحر المتقدم. وتجاوزا يقبل هذا الادعاء من شخص غربي نظرا لما عرف عنه من استعلاء ووهم التفوق على شعوب العالم، لكن المدهش أن العربي الخاضع للتغريب يقوم بذات الدور باتجاه الآخرين متناسيا أمرين مهمين، الأول: من يملك حق إطلاق هذا الحكم وعلى أي أساس أو معيار يتم ذلك؟. فإن كان معيار التحضر هو التفوق بالجانب التقني والصناعي، فهنا يقبل النقاش حول تحقيق إنجازات في ميدان خُلِقَ من أجل المنافسة ومواكبة متطلبات العصر، ما يعني حصر التحضر في هذا الجانب دون غيره، ولكن الواقع الغربي والعقلية المنساقة خلفه تطلق صفة التخلف على كوريا الشمالية كوصم عام دون أي تمييز. ثانيا: لماذا لا يتساءل العربي عن عنصرية الأمريكان والغربيين عموما عند احتكارهم صفة التحضر ونعت غيرهم بالدونية والتأخر، والذي يشمل أيضا ذات العربي الذي ينشر هذه الفكرة ضد كوريا الشمالية مثلا. حيث أنه في نظر الغربي متخلف ورجعي؛ فالصورة النمطية عنه والتي يعززها الإعلام أنه لازال يعيش في الخيمة ووظيفته القتل والسبي وجمع الجواري، وهذا ما يتم تجسيده عنه في الأفلام والمسلسلات والبرامج والإعلانات التجارية. وهو الأمر ذاته الذي يتم فيه تقديم صورة عنصرية مشوهة عن الكوري الشمالي والروسي.. وكل ما ليس بغربي.

أمر آخر، يتلقف الإعلام العربي ساخرا أطروحات الغرب بشغف مدهش عن ترسيخ كوريا الشمالية لمشروعها الاقتصادي، وما يرافق ذلك من جعل الزعماء أشبه بالأصنام المُخَلصين. وهذا الطرح وإن لامس جانبا من الصواب، إلا أنه حريٌ بالعربي المستلب للغرب أن يقارن بين ما تملكه كوريا الشمالية من أدوات، وبالتالي من أثر، مع ما تملكه الولايات المتحدة الأمريكية فسيجد اجحافا وظلما كبيرا. فالأمريكان، وهم عصب التوجيه والتأثير في الغرب، يملكون منظومة إعلامية هائلة ومحترفة في مجال الدعاية؛ وعلى رأسها أفلام هوليود. إذ يتم من خلالها تمرير دعاية لا تتوجه إلى المواطن الأمريكي بل العالم كله، والذي يستهلك هذه الأفلام المسيطرة على كل دور العرض.

وتحمل تلك الدعاية شكل ونظام حياة يتم تعزيزها في العقل الباطن كثقافة بديلة، ويقوم أساسها على حتمية نسف التراث والأعراف وجعل الحرية الفردية قيمة أعلى من تماسك المجتمعات. وفي ذلك إلغاء فكرة احترام كافة أشكال التنوع والتعدد الثقافي، نظرا لقولبتها في إطار السخرية والوصم بالرجعية والتخلف. كما تذهب بروباغندا المؤسسات الرسمية إلى أداء دورا حيويا في ممارسة الحرب النفسية والتضليل حول الحقائق والجرائم الأمريكية، مع الحرص على وضع الجندي الأمريكي أو حتى الفرد العادي في مقام الشخص الخارق القادر على هزيمة الأشرار لوحده، وفي وقت قياسي أيضا!. وطبعا كل ما تقدم يتلقاه المواطن الأمريكي كمسلمة تعزز من نظرته لنفسه كشخص مُتقدم بنظام اجتماعي فريد يحترم الحريات، وأيضا اقتصاد ضخم وقدرة عسكرية خارقة قادرة ليس على محاربة العالم؛ بل حتى الكائنات المجهولة من الكواكب الأخرى، والقضاء عليها. وبالتالي كل ذلك يضع الرموز وشخصيات أمريكية في مصاف الآلة التي يتم تقدسيها في عيون النشء، ولا ينحصر ذلك في أمريكا بل يمتد إلى خارجها.

أمام زخم الدعاية الأمريكية ودورها من خلال السينما، دون إغفال للدور الذي تلعبه الإعلانات والبرامج والمسلسلات محليا وعالميا في تعزيز ما سبق ذكره، نجد أن كوريا الشمالية تعمد كسائر الدول على بث دعايتها بالوسائل المتاحة لها، وهي لا تقارن من ناحية التأثير والكم بما يمتلكه الغرب. مع التأكيد أنهم قاموا بتحويل رؤسائهم إلى أصنام من خلال التماثيل والصور، وجعل سيرتهم عطرة ومليئة بالفضائل والقيم. ولكن هل هذا الفعل محصورا على الكوريين فقط؟ ألا يُكلف العربي نفسه أخذ جولة في الشوارع والميادين ليرى الصور والتماثيل التي فرضت عليه لشخوص لا تعبر عن تطلعاته وتم تنصيبها في منزلة الأصنام؟ أليس حريا التفكير بأن للغرب أصناما تم العمل على ترميزها وبالتالي تقديسها، ومثلهم الأوربيون والهنود.. فلما الهجوم العالمي ينصب على أصنام كوريا الشمالية دون غيرها؟.

ومن المآخذ التي تشربها العربي ولم ينفك عن نشرها، هي مسألة التشنيع على كوريا الشمالية قيامها بالتجسس على مواطنيها، واعتبار ذلك هتكا للخصوصية وعدم احترام لحقوق الإنسان. ولا شك أنه أمر مرفوض ولا ينبغي لكوريا الشمالية أن تقوم به، ولكن هل يشمل ذلك الرفض وتلك الحمية العربية عن الإنسان وحقوقه أيضا الولايات المتحدة الأمريكية؟. فمن المعلوم أن أمريكا هي أكثر دولة تقوم بخرق كل المعاهدات والمواثيق الدولية الموقعة عليها، نظرا لقيامها بالتجسس على الجميع، سواء كان أمريكيا أو حليفا أو عدوا. فليس ببعيد عنا معلومة أجهزة التجسس الواسعة التي تم الكشف عنها خلال عام 2013م من قبل الشاب “سنودن”، والتي تتضمن برامج مراقبة جماعية تقوم باستخراج بيانات الهواتف الخاصة بالمدنيين، مظهرة حجم التجسس الهائل تقوم به وكالة الأمن القومي الأمريكية. كما لا ننسى فضيحة التجسس على الحلفاء مثل: المحادثات الهاتفية للمستشارة انجيلا ميركل، والتجسس على الرئاسة الفرنسية.. وغيرهما. وأيضا الدور الخطير الذي تقوم به أمريكا في التجسس والملاحقة من خلال الهواتف الذكية والتطبيقات الإلكترونية. فهل هذا الدور لا يستحق الهجوم من العربي، والواقع بشكل أو بأخر تحت المراقبة، بدلا من التركيز على اقتراف كوريا الشمالية جريمة التجسس على مواطنيها فقط؟.

أخيرا، ملاحظ انسياق العربي المنبهر بالغرب وخطابه خلف دعاوى تغييب الشعب الكوري الشمالي عن السماح له بممارسة الديمقراطية وإنشاء مؤسساتها. بينما كان حري به النظر إلى الغرب الذي يدعي التشدق بالديمقراطية وماذا قدم للعالم. فبداية قام بدافع عدائي وتوسعي بقتل الملايين سواء في هيروشيما أو فيتنام أو أفغانستان والعراق، فلم تمنعه الديمقراطية من تحويل العالم إلى بحر من الدماء. كما لم تعصمه ديمقراطيته من احترام حقوق الإنسان، فانتهاكات سجن غوانتانامو لا تزال حاضرة بالذهن، ولا يقل عنها إجراما ما جرى في سجن أبو غريب، وما خفي كان أعظم وأفجع. إضافة إلى ممارسات اقتصادية ترمي إلى سحق الطبقات المختلفة في المجتمع واحتكار طبقة ضيقة للثروات دون غيرها. من ناحية أخر، يفترض بالعربي تأمل النموذج الديمقراطي بعد احتلال بلدان العربية، وفي مقدمتهم العراق. فسنجد أن المحتل الأمريكي قدمها كمحاصصة طائفية أدت إلى خلق أزمة هوية، ووضع بغداد على شفى التقسيم والانفصال.

إذن؛ الديمقراطية ليست بالضرورة حلا نموذجيا لاختيار ملائكة يقودون العالم للاستقرار والسلام، كما أنها غير مجدية في وضعنا العربي إذا مورست كصناديق مفرغة من قيم السيادة والتحرر الوطني ومصلحة الجماعة الموحدة في تحقيق التنمية والعدالة. وعليه ينقص كوريا الشمالية عدم إشراك مواطنيها في اتخاذ القرار، تماما كدول عربية كثيرة، وبذات الوقت يحق لها اللجوء لتلك الخطوة حالما ترى مصلحتها وبالطريقة التي تنبع من بيئتها لا أن تفرض عليها. 

خرافة التفوق

مما تقدم؛ سنجد أن ملايين العرب مع الأسف، غارقين في تصديق الدعاية الأمريكية عن نفسها وبالتالي عن أعدائها، على رغم مما تحمله من تناقض وتضليل لا يقل سوء عمن تنقدهم وتنعتهم بالتخلف أو التطرف. إن الداعي للقلق هو الخوف من زيادة انسلاخ الفئة الشابة أمام هيمنة وجبروت الغرب عموما، وهو ما يستدعي خطابا عربيا نقديا لبيان تهافت خرافة التفوق الحضاري التي يروج لها، والتي اوقعت الكثيرين في حالة انهزام وتسليم بالواقع كما هو.  

مقالات مشابهة

Facebook Comments