ترودو و دس السم في السم!

ترودو و دس السم في السم!


شكل صعود تيارات اليمين المتطرف الشعبوية في اوروبا و امريكا صدمة كبرى للتيارات السياسية التقليدية، التي بدورها تتحمل هذه النتيجة كأبرز الانعكاسات لعقود من الهجمات الاستعمارية المباشرة عبر القوة العسكرية او غير المباشرة عبر السياسات النيوليبرالية التي فرضت على دول الجنوب، لتنتج تدمير اقتصادات و مؤسسات هذه الدول و تكون و تدعم بيئة خصبة للتيارات الاصولية و كذلك دفع الملايين للهجرة غربا.

ان ابرز المشاكل التي تواجها مراكز القوى التقليدية في الدول الاوروبية و الولايات المتحدة خصوصا الامبراطوريات الاعلامية هي في الخطاب الفج و الصريح لهذه التيارات الصاعدة أي ان الحجر الاساس في المشكلة هي القول لا الفعل، حيث ان هذه التيارات و عن طريق الحشد الغرائزي لجماهيرها تعمل على تدمير الصورة “الحضارية” للغرب و التي بنيت عبر الضخ و الاغراق للكليشيهات الليبرالية من حرية التعبير الى الديمقراطية وحقوق الانسان والتي تستخدم كغطاء للسياسات الامبريالية، ان هذا “التدمير الذاتي” هو الذي يواجه الان  و بشكل مستميت ويشكل محور الصراع السياسي الداخلي في الغرب.

الا ان لهذا الصعود ارتداداته المعاكسة خصوصا على شاكلة حالة من البروز لآخر التيارات الليبرالية الصامدة سواء كان هذا البروز متعمدا او عبر رغبة المستلبين للنموذج الغربي حول العالم لإبرازه كالنموذج الغربي الحقيقي في محاولة لبيع الوهم، و يشكل رئيس الوزراء الكندي ترودو وجهه الأبرز و يعبر عن اخر القلاع الصامدة للسياسة الغرب في دس السم في الخطاب المعسول والذي هو بطبيعة الحال سم آخر.

ان الطبيعة البنيوية للدول الغربية بشكل عام لا تسمح بوجود مستوى سياسي طبيعي ينقسم بين يمين ويسار بل انه هنالك ازاحة على المستوى حيث ان كل الثقل السياسي هو في اليمين و ان ما يعبر عنه باليسار و يستهوي شريحة واسعة من يساريي الهوى الغربي هو عبارة عن يسار اليمين كما تعبر التيارات الشعبوية عن يمين اليمين، هذه الحقيقة ساهمت في بروز التيارات الليبرالية والتي ينظر اليها الان وعبر عولمة يسار جديد لا تعنى له العادلة الاجتماعية و الاشتراكية و التحرر الوطني شيئا “الا حين تأتي الامور الى حقوق المثليين و النباتيين” ينظر اليها كالحالة المثالية و المعيار التي يقاس من خلاله الانتماء لما يسمى العالم الحر و تمثيل “الحضارة”.

ان لهذا الرواج  منتج و هو “يسار” جديد و معولم يتبنى السردية الغربية و يتخذ من مؤسساتها ادوات يسعى من خلالها السمو للنمط الغربي، ولهذا خطورة بالغة يجب التصدي لها حيث ان التبني للمستوى السياسي الغربي و تعميمه حول العالم أمكن لأمثال رئيس الوزراء الكندي ترودو رسم الخطوط لتحديد ما هي الانسانية و الحضارة امام التخلف و البربرية في مسرحية كبرى تجر خلفها الملايين من المغفلين و شذاذ الآفاق.

لا تختلف كندا عن غيرها من الدول التي تأسست او كما يطلق عليها مصطلح “استقلت” من الامبراطورية البريطانية في لعب بجيح بالمصطلحات و التاريخ حيث ان الاستقلال هنا ليس بين مستعمر و مستعمر بقدر ماهي بين خلافات بينية مع المركز الملكي الانجليزي، هذه الدول والتي هي عبارة مستعمرات انجلوسكسونية قامت عبر اكبر عمليات ابادة اثنية و ثقافية في التاريخ لم تنجح فقط في انتاج قطيعة بين ماضيها و حاضرها بل في الاستمرار في نفس النهج العنصري لكن بطريقة اكثر ذكاء و مكرا على شكل مأسسة و قوننة عمليات القهر الثقافي سواء للسكان الاصليين او حتى المهاجرين وصولا الى خارج الحدود.

ان جاستن ترودو يمثل اقصى درجات هذا المكر و التناقض خصوصا فيما يتعلق بقضايا الوطن العربي او دول الجنوب، هذا الرئيس والذي تعبر الانديبندينت البريطانية عن اكثر مميازته كونه “يخلع قميصه بكثرة” استطاعة ان يرسم لكيان عضو في الناتو شارك في غزو افغانستان و تدميرها و المشاركة في قصف كل من سوريا و العراق و تدمير بنيتهما التحتية تحت عذر اقبح من ذنب وهو محاربة داعش صورة الكيان الاكثر “انسانية” و هو نفسه وفي عهده اوصل مبيعات الاسلحة لهذه المناطق الى اعلى المستويات منذ عقود!

 ان حالة اسقاط واتخاذ المعيار الغربي لثنائية التطرف و الحضارة تعد عملية اغتيال مباشر لوعي الشعوب التي تقع تحت وطأة الهجمة الاستعمارية الغربية وتمكن و بشكل وقح لأمثال ترودو التعبير عن “خيبة امله” لوجود نشاطات معادية للصهيونية في الجامعات الكندية و كيف لا وهو يحتل مكانة ما يحدد ما هو النضال “الكول” و الحضاري و كل ما دون ذلك ارهاب و تطرف وفاشية!

مقالات مشابهة

Facebook Comments