جواسيس الأدب

جواسيس الأدب

باتريك آيبر

زيسلاو ميلوسز ( Czeslaw Milosz) , الشاعر البولندي الذي تخلى عن جنسيته لصالح الغرب في عام ١٩٥١, كان مصعوقاً بأبهة برامج الثقافة الأمريكية إذ قال ” تستطيع أن تشم مالاً كثيراً من مسافة ميل ” . في عصر أجود المجلات الصغرى ، عناوين كبارتيسن ريفيو( Partisian Review)  و باريس ريفيو ( Paris Review) ، تنشر رواياتٍ محترمة ، و شعراً و مقالات . فكتابات لـكليمينت جرينبيرج ( Clement Green berg) و ليونيل تريلينج ( Lionel Trilling )  يضعان العلامات الكبرى للأدب و الفن و النقد الأدبي . ريتشارد رايت ( Richard Wright ) كتب القصيدة الرثائية الشهيرة التي ستقدم عنوان التا-نيشي كاوتس لأفضل الكتب مبيعاً عام ٢٠١٥ ، ( بيني و بين العالم ) . و الفنانون الذين شنوا المعارك السياسية الراديكالية في عام ١٩٣٠ تحولت تلك المعارك في الخمسينات ١٩٥٠ إلى مؤسسات ثقافية، محققةً أهميةً ٫ بل شهرةً، استعصت على الأجيال اللاحقة .

كثيرٌ من المراقبين ، على كل حال ، شككوا في أن سوق الأفكار الحرة تم إفساده . فقد مُنحت رحلات حول العالم ، و اجتماعات أنيقة ،مع البرستيجات الثانوية و عقود كتب للفنانين الذين خضعوا لمواقف سياسية فضَّلتها المؤسسة ، أكثر من ذوي الموهبة العالية . ففي ١٩٦٦ ، أكدت النيويورك تايمز شكوكها من أن السي آي إيه تضخ مالاً إلى ” المجتمع المدني ” من منظمات : اتحادات ، منظمات الطلاب العالمية و النساء ، جماعات الفنانين و المثقفين. فالوكالة أنتجت نسخةً من الرسوم المتحركة المضادة للحركة الشيوعية المعروفة بحديقة الحيوانات في عام ١٩٥٤, وهي تلت الأوركسترا السيمفونية لبوستن ( Boston ) في الجولة الأوربية عام ١٩٥٢، لتواجه الأحكام المسبقة عن الولايات المتحدة من أنها غير مثقفة و زائفة . عرضت عملاً للرسامين التعبريين التجريديين مثل جاكسون بولاك (Jackson Pollock)  لأن أسلوبهم الفني سيُعتبر منحطاً للاثنين : ألمانيا هتلر و الاتحاد السيوفيتي لستالين .

منذ ذلك الحين نوقشت بشدة، لياقة عطايا السي آي ايه و مموليها . فمحرر الكتب المشهور جاسون أبستين ( Jason Episten) كان سريعاً في ملاحظة أن تدخل السي آي إيه ( CIA) يهدد أوضاع التفكير الحر نفسها من حيث أن “الشكوك حول تأسيس تعصبات” كانت من المفترض أن “تؤخذ كبداية لكل الاستفسارات” . إلا أن جلوريا ستينيم  (Gloria Steinem)، التي عملت مع السي آي إيه في الخمسينات حتى الستينات ، “كانت سعيدةً أنها وجدت بعض الليبراليين في الحكومة في تلك الأيام ” مجادِلةً أنّ الوكالة كانت “غير عنفية و مشرِّفة” ميلوسز أيضاً وافقها أن ” المؤامرة الليبرالية” كما سماها “كانت ضرورية و مبررة” . لأنها كانت “الثقل الوازن الوحيد للبروبوغندا التي ينشرها السوفييت بقوة فلكية”.

مثقفو اليوم يقاربون جهودهم في أحوال جد مختلفة. فالكفاح من أجل الدعم الأكاديمي و الظروف المتوترة لكل الملكيات الإعلامية تقريباً ، قاد لشح في الوظائف و شح في الميادين الجوهرية للكتابة ، فإمكانية قيادة حياة مواجهة-عامة للذهنية الحالية تبدو ضئيلة متلاشية ، تستدعي فقط و تحن للعصر الذهبي في الخمسينات . على أن ظلال السي آي إيه تخيم خلف انجازات ذاك العصر، فإن اللعبة الحرة للأفكار ـ وهي ذات الشيء الذي من المفترض أن يفرق بين الولايات المتحدة و بين الاتحاد السوفيتي – تحولت لتكون ، في جزء منها على الأقل ، وهماً مشيداً بعناية . فماذا لو بروز مثقفي منتصف العصر الحال ، بملاحظة أنهم كانوا ضالعين في مشاريع سياسية و فنية ، ماذا لو أنهم لا يمكن فصلهم من حقيقة أنهم كانوا مستخدَمين من إمبراطورية الحرب الباردة الأمريكية ؟

جويل وايتني في (وشاة ( Finks) : كيف خدعت السي آي إيه أفضل كتاب العالم ؟) يؤكد أن الماضي المجيد و إحباط الحاضر متصلان لا ينفصلان . هو يريد أن يبين أن التفريق الذي يقوم به البعض ، بين عميل سي آي إيه “صالح” و آخر “شرير” من الذين أطاحوا باليساريين و أفشلوا الديموقراطيات حول العالم، يبين أنَّ تفريقهم متكلَّف. فيجادل وايتيني أن الحكومة ” تسلَّحت” (weaponized) بالثقافة و ساعدت على خلق إعلام خاضع و لا يزال يخدم، “من ناحية، تشجيع دعم تدخلاتنا”. المصطلح الذي يستخدمه في العنوان “الوشاة” يشير إلى أن مواضيع الكتاب عن فاعلين سيئ الصيت، اشتركوا في جرائم الوكالة التي دعمت أعمالهم .

لازالت وكالة الأمن القومي (CIA) تدفع جهودها لتفهم تاريخها ، حيث أنَّ الصحفيين و الباحثين تمكنوا من الانخراط معاً في مقابلات و أوراق عن منظمات و ناس دعمتهم الوكالة لتنتج صورةً عن نشاطاتها . من هنا ، وايتني اختار هذا التحقيق الجريء المعمول من صحفية بريطانية اسمها فرانسيس ستونور ساوندرس مع نشر كتابها ” من دفع للزمَّار ؟ ” في عام ١٩٩٩م . و كما تشرح (ساوندرس) أن السي آي إيه لم يعطوا المال هكذا ببساطة يداً بيد – و إن كانت بنشاط أدارت المنظمات التي دعمت. و أكثر من ذلك ، تبين أن الكثير من الناس الذين ادعوا الجهل كان مدركين لذلك الارتباط .

موقف (ساوندرس) يعكس المزاج الثقافي في نهاية التسعينات : مع تهاوي الاتحاد السوفيتي ، صار سهلا لأمرين هما؛ التعريف بالجانب الأسود للقوة الأمريكية ، و النظر للحرب الباردة كغطاء لأفعال الولايات المتحدة لا كسبب لهذه الأفعال. المؤرخون المتأخرون ، كـ هوف ويلفورد في كتابه : ( البيانو العظيم : كيف عزفت السي آي ايه أمريكا. ) إذ فحص الأسباب المتعددة عن ؛  لماذا الجماعات و الأفراد وافقوا أن يعملوا في جبهات السي آي إيه . في حين أن كتاب ” الوشاة ” كان أشمل عن العالم من كتاب ساوندرس، و يكرس تركيزاً أكبر على دور السي آي إيه من الهند حتى أمريكا اللاتينية ، و يظهر عودةَ مزاجِ الكاتبة لفضح التحالفات المنافقة بدلاً من شرح دوافعها التاريخية .

وايتني ، كالعديد من مواضعيه ، أسس بالمشاركة مجلة أدبية تدعى ” جيورنيكا” و هو مؤلف لمقال مفصَّل ، نُشر في مجلة الصالون (Salon) عام ٢٠١٢ ، عن كيف كانت المجلة المعروفة “باريس ريفيو” متورطةً في برنامج السي آي إيه للتلاعب الثقافي . فقد دشن بداية المجلة الروائي بيتر ماثيسين ( Peter Mathiessen) في عام ١٩٥٣ مع  هارولد “دوك ” هيوم ( Harold “doc” Humes) : وهذا كاتب امتلأ بالبارانويا (جنون العظمة) بعد زيادة جرعات من عقار LSD* التي أعطاها له (تيموثي ليري) في عام ١٩٦٥. و في عام ١٩٧٧ ، كشفت النيويورك تايمز أن ماثيسين كان يعمل مع السي آي إيه عندما تأسست الباريس ريفيو و جُعلت المجلة في جانب منها غطاءً له . فأوضح لاحقاً أنه عندما جُنِّد “كانت السي آي إيه مجرد مؤسسة جديدة ، ولم تتورط بعد في الاغتيالات السياسية  أو الأعمال البشعة التي جائت لاحقاً”. لكنه ظل يؤكد أنه قطع علاقته مع السي آي إيه بعد بضع سنوات ، وأن الباريس ريفيو لم يعد لها أي صلة بالحكومة الأمريكية .

على كل حال ، تحقيقات وايتني في أرشيف الباريس ريفيو تقول حكايةً أخرى ، فالمجلة ظلت الحوت الأبيض العظيم للوشاة : الذي ما فتأ وايتني يطارده، باحثاً في آثاره عن الغروب السحيق الجاسوسي للحرب الباردة . و ليصل إلى هذا ، حاول وايتني أن يربط بين الباريس ريفيو و بين العجلة المركزية في ماكنة البروبوغاندا للسي آي إيه إبان الحرب الباردة وهو : مجلس الحرية الثقافية .أسس هذا المجلس في عام ١٩٥٠ كمقر للمثقفين المعارضين للشيوعيين الذين أرادو أن يحاربوا أثر الشيوعيين الأوربيين و الرفاق الرحالة ، و المحايدين . إن دولارات السي آي إيه و موظفيها جعلوا محاربتها ممكنة ، حتى أن مجلس الحرية الثقافية اتسع بسرعة ليكون منظمةً عالمية تقوم على مجلات و مؤتمرات و معارض فنية من آسيا إلى أمريكا الجنوبية.

في قمته في الخمسينات و الستينات ، كان مجلس الحرية الثقافية يرعى مجلات عالمية مهمة مثل Preuves في فرنسا و الحوار في مصر و Quest في الهند و Mundo Nuevo في أسبانيا و أمريكا اللاتينية و Encounter في لندن . وعلى وجه الخصوص كانت Mundo Nuevo عالية الأثر فتنشر رسائل للكتاب اليساريين من الجيل الصاعد آنذاك في أمريكا اللاتينية ( من أمثال كارلوس فيونتيس و جابريل غارسيا ماركيز ) بالتوازي مع مؤلفين عالميين مثل سوسان سونتاج و هارولد بينتر. ولا زالت السي آي إيه ، تشعر بحرية في رفض المقالات و تمارس مراجعة عليا عليها. و قد كتب وايتني “فريق المبيعات لصِيت أمريكا لم يفكر إلا قليلا في تعزيز الحرية الثقافية على حساب روتين الحجب”.

و على كل حال ، الباريس ريفيو لم تكن جزءً من مجلس الحرية الثقافية. على عكس مجلات المجلس ، والتي كانت بشكل عام سياسية و أدبية، فقد ظلت الباريس ريفيو نظريا ( غير سياسية ) لكن وايتني يظهر لنا أن ثقافة الحرب الباردة لوكالة السي آي إيه ساعدت في تكوين محتواها بنفس الطريقة. أحد محرري الباريس ريفيو ، نيلسون ألدريخ جونيور (Nelson Aldrich Jr.) ، اكتشف أن وكالةً حكوميةً كانت قد اشترت ٤٦٠ نسخةً من إصدار واحد و أخذت عشرة اشتراكات. “على أقصى حد ممكن ، يجب أن يظل هذا سريا” كما حذر زملائه. فمجلس الحرية الثقافية بفعالية موّل الكثير من المجلات الصغرى ولم يكن عليه إلا أن يكون مشتريا كبيراً ودائماً ببساطة.

ولكن أثرها لم يتوقف هناك فقط ، فالباريس ريفيو كانت شهيرةً بمقابلاتها المعمقة مع المؤلفين ما جعل المجلس يدفع لها حتى ينشر تلك المقابلات في مجموعته من المجلات وبالطبع هذا ما سيفعله فقط ، ما دام موضوع المقابلة بارزاً و لا يتعارض مع ضرورات الحرب الباردة. و يرينا وايتني أن المجلس يدفع أسعاراً أعلى للإصدارات التي تحوي فصولاً ضد البروبوغندا السوفيتية ، كنسخ مقابلة المجلة مع الروائي الروسي بوريس باستريناك ( Boris Pasternak ). أدار المجلس وجهة الباريس ريفيو نحو مواضيع المقابلات التي يريدها لمجلاته. جورج بلمبتون ( George Plimpton ) ، محرر في الباريس ريفيو لأكثر من خمسين عاماً ، كشف في رسائل خاصة أنه كان علم عن صلات المجلس مع السي آي إيه قبل أن يُعلن عنها على الملأ. ويتلائم هذا مع تقرير من رتشارد كومينج ( Richard Cummings ) في مجلة “الأمريكيون المحافظون” من أن بلمبتون كان “عميلاً مؤثراً” للـسي آي إيه .

من خلال هذه العلاقات، مارس السي آي إيه ومن دون مبررٍ تأثيراً على المشهد الأدبي. هذا و يصوغ وايتني حجةً مقنعة، على سبيل المثال، عززت السي آي إيه مهابة أدب الرجل الأبيض في الرسائل الأمريكية. فلو صدقت أممٌ أخرى أن العلاقات العرقية في أمريكا كانت ضعيفة، كما تخشى ذلك الوكالة، ربما سيدمر قدرتنا لقيادة العالم الحر. لذلك رعت السي آي إيه أصوات أفارقة أمريكيين فقط ما دام نقدهم للمجتمع الأمريكي ليس بذلك الاكتساح. فالشيوعي السابق رالف اليسون Ralph Ellison، مؤلف رجل غير مرئي Invisible Man ، حضر بعض نشاطات مجلس الحرية الثقافية ؛ وقد كان الكاتب الأسود الوحيد المحظي بسلسلة في الباريس ريفيو قسم ” فن الرواية ” حتى عام ١٩٨٠.  وحتى الكتاب الذين دعمتهم الوكالة، مثل ريتشارد رايت، وجدوا أن السي آي إيه تتجسس عليهم في نفس الوقت. “رفعت يدي من محاربة الشيوعية” كتب رايت “و وجدت أن يد العالم الغربي تدفع سكاكينها ورائي”.

الأدلة التي جمعها الصحفيون التحقيقيون من أمثال وايتني و ساوندرس يجب أن لا تترك أي شك أنَّ ما سموه بـ “سوق الأفكار الحرة”، و الذي تزعم السي آي إيه أنها تحميه، كان مشوهاً و مقوضاً بأنشطة الوكالة نفسها. بلى ، الأدوات الثقافية للوكالة أعطت المثقفين طريقاً احترافياً للتطور، ما داموا رافضين للراديكالية و مشيدين بضرورة القوة الأمريكية في الحرب الباردة. لم تصنع السي آي إيه تلك الآراء، لكنها ضخمتها و ساعدت أن تعطي محاربيها الحس باشتراكهم في الكفاح العالمي التاريخي. و ظل، وايتني و منتقدو السي آي إيه الآخرون الذين كثيراً ما هدفوا لكشف الوكالة و الذين عملوا معها على أنهم وحدة تعمل على غاية واحدة . لكن الواقع كان أكثر عبثيةً. حتى أن مصطلح ” الوشاة – finks” ذو تاريخ غير متوقع.

أخذ وايتيني كلمة “الوشاة ” من رسالة من الروائية و المحررة كيث بوتسبورد Keith Botsford إلى عالم الاجتماع دانيال بيل Daniel Bell، و كلاهما ساعدوا مجلس الحرية الثقافية. بوتسفورد كان يحاول لسنين أن يقنع المجلس كي يحيل مجلة كاوديرينوس Cuadernos للتقاعد، وهي مجلة ضد الشيوعية توزع في أمريكا اللاتينية . ” كانت مجلة واشية ” كتب بيل ، يعني أنها تستهوي المفكرين الرجعيين و تنتج أعمالاً هزيلة الجودة. (خورخي ابارجونيجويتشا Jorge Ibarguengoitia ، الساخر المكسيكي ، قال نكتةً مرةً عن أن الكواريديرنوس كانت من السوء إلى درجة أن الشيوعيين ابتكروها حتى توهن معارضيهم). مايكل جوسيليسون Michael Josselson، عميل السي آي إيه المسؤول عن مجلس الحرية الثقافية، حارب خطة بوتسفورد لطعن المجلة. إلا أن نائب جوسلسون – الذي أقسم لبوتسفورد أنه لم يكن عميلاً للسي آي إيه، بينما هو كذلك – دعم بوتسفورد. و ظنَّ بوتسفورد أنه لو تحايل بوشاة السي آي إيه، فسيساند جوسيلسون. لكن السي آي إيه كان في الجانبين من الحوار.

تسليح الثقافة، تبين أنه عملٌ مليء بالفخاخ لا ينضبط. حتى كاورينوس انتقدت احتلال أمريكا لجمهورية الدومينيكان. أما المجلة التي مولها مجلس الحرية الثقافية بعد زوال الكواردينوس عام ١٩٦٥ كانت موندو نيوفو ، فقد انتقدت الحرب على فيتنام. مع أن المجلة كان لديها أهدافا استراتيجية إلا أنّ الدفاع المباشر عن تدخلات أمريكا لم يكن واحداً منها. في الحقيقة ، لقد كان صعباً  أن تحدد ببساطة من هم الوشاة في كل هذا. فإن كانت التجربة الوشاتية هي التعاون مع جواسيس الدولة، إذاً فمعارضوا السي آي إيه الشيوعيون كانوا وشاةً أيضاً .

صيحات وايتني هي تحذير شديد من التداخل الخطير بين دولة أمن الأمة و عمل الكتاب و الصحفيين، و إن كانت تجربة الحرب الباردة الثقافية لا يبدو أنها ستتكرر، فالصراع العالمي الأيدولوجي ، مسبوكٌ باصطلاحات حضارية ، تجعل عمل المثقفين مستحقاً للدعم. ومثقفو اليوم لم يعودوا فواتير لازمة في الصراع بين القوى العظمى. والنوستالجيا نحو برستيج جيل الحرب الباردة تبدو، كثيراً في غير محلها، فعصر المفكرين الأبطال يبدو الآن كتشكيلة وضيعة من العمال و الكتاب الذين يظهرون كمتحدِّين للمؤسسة دون أن يكونوا خطرين بالنسبة لها. كان جاسون ابستين محقاً. فقد خلقت السي آي إيه أوضاعاً هدمت المهمة الأساسية للمثقف: من صناعة عينٍ ناقدةٍ على التعصب و تحصيل الحكمة.

أما اليوم فالدولة توجه طاقتها نحو التأثير على التفكير السياسي، لكن الحدود تغيرت. فالآن يُدافع عن الحرية بشكل أقل في المجلات الصغرى لصالح الإعلام الاجتماعي ( social media ) ففي ٢٠١٤ ، الوكالة الأمريكية للتطوير العالمي فُضِحتْ أنها كانت تغذي النسخة الكوبية من تويتر – فامتداد منطقي لعمل السي آي إيه في الخمسينات و الستينات. وكما تشرح كشوفات إدوارد سنودن، تسويق الحرية من خلال المجتمعات المفتوحات يبقى و بشكل غير مريح مرتبطاً باحتمالية الرقابة. و ما هو أكثر من ذلك، فالتطبيقات التي نوظفها لنقل لأصواتنا الشخصية ليست فقط معرَّضة للحجب الالكرتوني و التلاعب البروباغاندي من الحكومات ؛ لكنها أيضاً شركات خاصة. في حين تستطيع السوشال ميديا استخدام تبادل الأفكار و الدفاع عن حرية التفكير ، تعتمد الشركات على مطاردة الربح و مضاعفة القابلية لبيع هذا التواصل. و في نظام رقابي و متدخِّلٍ بشكل شديدٍ ، سيكون صعباً تمييز الخط الفاصل بين المشاركة و بين التعاون غير المقصود .

مثقفو الحرب الباردة لم يتبينوا دائماً أنهم مَثُلوا كـ “وشاة” ، وكإضافاتِ قوةٍ في أنظمةٍ لم يفضلوا أن يشرعنوها. أما اليوم فتكوين الدولة الخاص في التدخل ربما تغير، لكنه يظل موضوعاً للقوى التي شكَّلت آرائنا و الحدود لتفكيرنا بطرقٍ لا نستطيع أن نراها بوضوح. فكيف سنوضح ذلك لأنفسنا إن كنا نحن، أيضاً، وشاة؟

*عقار مخدر يغير المزاج و ويتسبب بقطع خطير لمتعاطيه عن الواقع.

المصدر

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments