أمارات الفضيلة الكاذبة تجتاح العالم

أمارات الفضيلة الكاذبة تجتاح العالم

مذهلةٌ تلك النرجسية في الاستجابة الغربية لحلب

تخيل أنك تنظر إلى حلب وأنت تفكّر بنفسك في المقام الأول. تخيل أنك تقرأ عن العنف والحرمان في هذه المدينة، وتتساءل عمّا تتكشف عنه أنت في كلّ هذا. تخيّل أنك تتناول حلب، بدرجة أقلّ، كمدينة مزّقتها رحى الحرب وأحالتها خراباً تلك التوليفة المميتة من التدخلات الغربية والإقليمية التي أعقبتها حملة جوية بربرية لروسيا والأسد، وتتناولها، بدرجة أكبر، كمؤشّر كاشف عن عفّتك؛ كمسرحٍ تؤدي على خشبته مسرَحَتَك النفسية الأخلاقية، و تعيد تمثيل حروبك السياسية التافهة. هذا ما يحدث بصورةٍ لا تُصدَّق. لم تكن استجابة النخب الإعلامية والسياسية الغربية لمأساة حلب تحقيقاً في كيفية وقوع هذه الأهوال، التي تقلّ كثيراً عن الدّور المحتمل لها في هذا، وإنما تحويل حلب إلى منصة يمكنهم تبوّؤها ليقولوا شيئاً عن أنفسهم، ليدللوا على أنفسهم، ويعتقوا أنفسهم من ربقة أحمالها.

أمارات الفضيلة الكاذبة تجتاح العالم. وحيث اعتُبرت الحربُ مرة وفقاً لكلمات كلاوسفيتز الشهيرة’’استمراراً للسياسة بطرائق أخرى‘‘، تفيد الكارثة السورية بأن الحرب الآن هي استمرار ’’للتغريد‘‘ بوسائل أخرى. الكثيرون في الغرب؛ ما يسمى الدوائر الليبرالية على نحو خاص، قد نقلوا دعايتهم الذاتية الأخلاقية من عالم التويتر الإفتراضي إلى عالم الحرب الواقعي والدموي. في حلب، لم يأملوا في اكتشاف السبب وراء كل هذا، أو في إيجاد حلّ ما له، بل شكلت حلب إطاراً لمناقبيّتهم، ولحياتهم بصورة رئيسية. يتساءل كاتب صحفي : ماذا نرى ’عندما نحيد عن صور حلب وننظر في المرآة‘. شخصاً نرجسياً ربما؟شخصاً  مزهواً باعتقاده أن حروب الآخرين تدور في فلكه؟ ويقول كاتب في صحيفة الأتلانتك: أضحت حلب آيةً لأمر آخر. ما هو؟ تخمينكم صحيح: لنا، ولموقفنا، ولحاجتنا إلى أداء أفضل، ولنبذ ’فتورنا‘ و ’عجزنا‘، لنصبح أكثر أخلاقاً وحزماً في العالم. حلب هي الرسالة.

مذهلة سرعة انعطاف مأساة حلب نحو حاجاتنا السياسية، وتحوّلها باتجاه صراعنا الأخلاقي دون صراع أهلها الدموي. وهذا الموقف المُعلن في بريطانيا بشكل خاص، حيث استثمر اليسار العمالي الخاسر والمُنهَك حلب كستارة تخفي مشاكله الداخلية السخيفة. لقد وجّهوا حلب نحو الخصومات الضحلة بين أنصار جيرمي كوربين وكارهيه. يصرّ الطرف الأول على أن كوربين يفعل حسناً في إدانته جميع الأطراف في سوريا، بينما يصر الطرف الثاني على أن حلب قدّ فضحت عبث كوربين، وما هو أسوأ من ذلك؛ تعاطفه مع روسيا. هل نحن جميعاً جيرمي كوربين الآن؟ يتساءل قلقاً أحد المناوئين لكوربين في مقال كتبه حول موقفنا من حلب. ويقول: إن ’لم نرُد رؤية وجه كوربين في المرآة‘،فعلينا أن نرفع صوتنا عالياً و نتحلى بالمزيد من الشجاعة. إنّ ربط حلب بهذه الشجارات الطاحنة التي تدور في حفلات العشاء بين بقايا حزب العمال المتهالك، وبالسؤال حول طينة اليساري الذي ننظر إليه في المرآة، يستلزم مستويات استثنائية من الهوَس بالنفس. نظّم منتقدو كوربين العماليون احتجاجاً مطالبين قائد حزبهم ’بفعل المزيد‘ من أجل حلب.  ليس ثمّة شئ يمكن لكوربين فعله طبعاً. هذا رجلٌ لا يملك أفكاراً سياسية جيدة لبريطانيا، ولا يعبأ بمناطق الحروب المتوترة المرعبة. لا، هذه الاحتجاجات استثمرت حلب فقط لوضع نهاية حول السؤال في أهلية كوربين للقيادة. لقد قَولبوا كارثة خارجية و حولوها إلى سلاح محليّ.

حينما نشرت صحيفة مورنينغ ستارMorning Star في افتتاحيتها الصبيانية التي أشارت فيها إلى اقتحام روسيا والأسد لمعاقل المتمردين في حلب بوصفه ’تحريراً ‘، اتّضح على نحو مروّع المدى الذي بلغه العماليون البريطانيون في تحويل قضية حلب برمّتها إلى أعمال سياسية وشخصية خاصة بهم. قال النائب البرلماني عن العمال جون وودكوك في المورنينغ ستار:’ حين تتعاون مع حثالة الخونة هؤلاء، فلا مكان لك في سياستنا إذن‘. حلب هي أكثر قليلاً من كونها وقوداً للتطهير، وسيلة لتنظيف حزب العمال؛ لإعادة تحديد هدفه واكتشافه. استجابت الدائرة المقرّبة من كوربين بالقول إن كوربين ’أدان بشكل دائم‘ أفعال روسيا والأسد.   وبّخ آخرون في العمل القائد السابق إيد ميليباند لقيامه بتنظيم التصويت ضد التدخل البريطاني في سوريا عام 2013. قال وودكوك :’ لا زلت أشعر بالقرف من ذلك‘. وقال آخر:’ هذا أكثر ما ندمت عليه في حياتي‘. هذا ما هو عليه الحال: أنا، مشاعر، عاطفة، قرف. وكما يقول فريدي غري في موقع Spectator : ثمّة صلة وثيقة الآن بين سياستنا الخارجية و ’مشاعر السياسيين‘.

في مكان آخر، أصبحت حلب إحياءً للمكانة الغربية برمتها، أو على الأقل إيجاد معنى ما للغرب. يقول بوريس جونسون :’ إنها عار علينا جميعاً‘، ويقول كاتب صحفي آخر:’ إنها رمزٌ للضعف الأمريكي‘. حلب هي دائماً رمز، مثال، مرآة، اختبار. تطلب منّا حلب إعادة تفعيل ’الأفكار التي احتفينا بها منذ الحرب العالمية الثانية‘، يقول كاتب صحفي آخر. إن في تحويل حلب إلى جمعية يمكننا معاينة انعكاس صورتنا فيها، محاكاةٌ للنقاشات الغربية حول سوريا على مدى الخمس سنوات الماضية.

لطالما عولجَت قضية سوريا على الدوام، كعلامة استفهام تحوم فوق رؤوسنا أكثر مما هي صراع معقد على نحو مهول. يقول أحد المراقبين: كان الحديث عن التزامات أخلاقية، اختبارات جيليّة، إحياء للمثل الغربية، ومع سوريا، نحمل المرآة أمام بريطانيا ونسأل ’ أي نوع من البلدان بلدنا هذا؟‘.

يكفي مرايا لو سمحتم.

هذا اكتشاف للذات وليس قضية جيوسياسية. إنه علاج يتجاوز الواقعية السياسية. ذات مرة، حيث وجه الساسة في الغرب أنظارهم إلى الخارج وجازفوا بخوض مغامراتهم  لإعادة تشكيل أجزاء من العالم تبعاً لمصالحهم الخاصة، متسببين بإثارة الكثير من النزاعات في غضون ذلك، فإنهم يفعلون الأمر ذاته الآن في محاولة يائسة للبحث عن مصالح، عن مركز نشاط، عن الشعور بأنهم لازالوا على صلة بذلك وأنهم خيّرون أيضاً. حتى لو أنهم بفعلهم هذا يتسببون بضرر أكبر. وفقاً لمحاججة فيليب كولينز، الكاتب السابق لخطابات توني بلير، نعم؛ التدخل الغربي في سوريا ’سيعني الفوضى‘، لكن’ الفوضى حاضرة سلفاً هناك‘، والفوضى التي يمكن أن نتسبب بها ستعبّر عن’كراهتنا  لجرائم الأسد‘. كما قال:’ لا يمكن التقليل من قدر كراهة شديدة العمق كهذه باعتبارها أمراً غير واقعي وغير ناضج أيضاً. علينا أن ندعم نزعتنا الأخلاقية. هكذا هي سوريا بالنسبة للعديدين في الغرب: فرصة أخلاقية. منبراً ملائماً يقدمون عليه عرضاً ’لنزعتنا الأخلاقية‘ عبر منافذ البيع القليلة الباقية في هذه الأوقات العصيبة والمضطربة من ناحية أخرى. يحتج كولين بشدة حين يقول أن ’ هذا الدافع عميق جداً ولا يمكن التقليل من قدره باعتباره أمراً غير ناضج‘. إن تعريف المراهقة الأخلاقية هو أن تعتقد أنّ كل شئ يتعلق بك، وأن الفعل باسم الخير سيثمر خيراً حتى لو تسبب بالضرر.

أليمٌ ما تمخّض عن كل هذه النرجسية. إن اختزال حربٍ إلى قصة أخلاقية جلية لا لبس فيها، تقدم الأسد والروس كمثال للشرّ في جانب، وأنا، أنا،أنا، الناس المحترمون ذوو ’النزعة الأخلاقية‘ القوية على الجانب الأخر، ليقتضي بالضرورة طمسَ التعقيد والفهم بحد ذاته. نشاهد كيف يخاطر كل من يثير الأسئلة حول سردية الإعلام الغربي عن سوريا بنفسه ويُحشر في خانة المدافعين عن بوتين: إن الجدال الأخلاقي والسياسي الذي يخوضه السياسيون والمراقبون الغربيون على مسرح ’’الأخلاقية‘‘ المقولب على شاكلة الخراب السوري يثير الريبة بشدة. الخلاصة النهائية هي التضليل لا محالة: إن معرفة ما يحدث حقّاً في حلب، والأكثر أهمية، معرفة السبب وراء ذلك، هو أمر صعب للغاية حين يكون سيناريو الخير في مقابل الشر هو النص الموّحد والمقبول عبر وسائل الإعلام الغربية، وحين يُنبذُ من يتعرض له بالنقد.

الأسوأ من ذلك، فإن تحويل حلب إلى قصة أخلاقية يُستعطَف فيها الغرب لفعل المزيد، ليجد مُثله العليا، ليجعل الأمر على ما يرام مجدداً بالنسبة للمراقبين المتألمين كي ينظروا في المرآة، يحجب حقيقة أن الغرب قد فعل الكثير حقاً في سوريا. إنه يقدم الغرب بصورة المتفرج الخامل، ويناشده العمل على أساس نزعته الأخلاقية الأفضل، ويهمل حقيقة أن التدخل السياسي، العسكري والاستخباراتي الغربي على مدى السنوات الخمس الماضية، قبل الوصول الروسي الدموي، قد أدى دوراً كبيراً في تحفيز هذه الحرب، وفي دفع مدنٍ مثل حلب إلى حافة الهاوية التي يترنح الكلّ فوقها الآن. هذه هي المشكلة الجوهرية؛ حين تتلألأ بوهج فضيلتك السياسية الخاصة، ستعمى أبصارك عن الواقع، وعن التعقيد، وعن الإنسانية ذاتها في خاتمة المطاف.

BRENDAN O’NEILL

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments