تجريف الثقافة في الخليج

تجريف الثقافة في الخليج

 

لا تتجاوز اعمار أغلب الدول الخليجية بضعة عقود، الا أن الطفرة النفطية مكنت تلك الدول و في مدة زمنية قصيرة من رفع المستوى المعيشي و التطاول في العمران و النمو الاقتصادي بشكل مطرد، و ذلك من خلال حالة الاعتماد الكلي على الريع الناتج من بيع المواد الخام.

استيراد الطبقة العاملة

إن هذه الحالة الريعية، وما نتج عنها من وفرة مالية هائلة، ونمط المعيشة الذي أرسته في الخليج، شكلت حالة من “التسليع”،  أي ان الثقافة الاستهلاكية التي نتجت من جراء هذا النمط الاقتصادي خلقت تصوراً ينطلق من منظور أن كل شيء هو عبارة عن سلعة تباع و تشترى بقيمة مادية. وكذلك فإن سياسة  توزيع الريع على المواطنين الخليجيين و بمستوى معيشي مرتفع كونت ما يمكن ان يعبر عنه كجزء من شرعية تلك الدول، وعقداً اجتماعياً ضمنياً بين الدولة و المواطنين.

 هذه السياسة قضت على حاجة  تكوين طبقة عاملة محلية منتجة اقتصادياً،  الأمر الذي أدى إلى غياب تام لتلك الطبقة التي تحرّك عجلة الاقتصاد، و أصبح البديل استيراد طبقة عاملة من المهاجرين، لتشكل العمود الفقري للدورة الاقتصادية، المرتبطة بشكل رئيسي مع الاقتصادات الرأسمالية الغربية، والمنصهرة فيها.

تسليع الثقافة

 حالة الانصهار في الاقتصادات الغربية فتحت الابواب لاستيراد ثقافتها، و ساهم في ذلك الفراغ في الحالة الثقافية في الخليج، ويعتبر غياب طبقة عاملة حقيقة في الخليج أهم اسباب ذلك الفراغ،  فلا يمكن الحديث عن تشكيل حالة ثقافية متماسكة و مميزة، دون وجود اقتصاد مستقل يقوم على حالة انتاج شعبية محلية. إن حالة الذوبان في الاقتصادات الخارجية، واستيراد العمالة من الخارج، لدرجة إحداث تغيير ديموغرافي جذري في بعض الدول، عملت على قتل الثقافات المحلية، بل على تسليعها، حيث تحولت تلك الثقافات التي تميز المواطنين إلى سلعة تباع لأغراض سياحية (كالأكلات الشعبية و الحيوانات و الطيور  الوطنية)، تُسَوِّقها عمالة لا تمت لهذه الثقافة بصلة.

الثقافة المزيفة

لم تمر حالة التهديد و الفراغ  الثقافي دون محاولة لسدها و خلق “ثقافة خاصة”، و كان ذلك عبر محاولة اضفاء طابع محلي خاص، بالتحديد عبر الهوية الدينية، أي أن الطريقة التي رأى فيها الكثيرون الحفاظ على ما تبقى من ذات وهوية كانت عبر التزمت الديني و محاولة ابراز عناصر الهوية الاسلامية لتشكل غطاءً خارجي خالي المضمون، يعطي إيحاءً بالحفاظ على الأصالة، في واقعٍ تم تجريف الثقافة المحلية فيه لصالح الثقافة المستوردة من الغرب، وهو ما يندرج في إطار التزييف.

مع الاعتماد على حالة الريع في الاقتصاد، والاستتباع الكامل لاقتصادات خارجية، وتحويل الدول إلى شركات متعددة الجنسيات، تستقطب العمالة والاستثمارات الأجنبية دون قيود، وخارج أي رؤية وطنية، يستحيل إنتاج حالة ثقافية خاصة، و مهما استغل هذا الريع في انتاج مشاريع عمرانية عملاقة ذات  عناوين ثقافية، فستظل خالية المعنى، و لا تعد كونها أعمالاً عمرانية مبهرة، بنيت بأفكار و أيادٍ مستوردة، أي انها لم و لن تعبر عن حالة ثقافية خاصة، في ظل انسلاخها عن أهل هذه المجتمعات.

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments