حرب 56 عدوان ضد الحرية والتنمية والحداثة

حرب 56 عدوان ضد الحرية والتنمية والحداثة

إثر ثورة 23 يوليو 1952م، والإعلان عن أهدافها، في القضاء على الاستعمار والاحتكار والفساد وسيطرة رأس المال، وإنهاء عهد الإقطاع، وبناء جيش وطني، وتحقيق العدل الاجتماعي، توافد على مصر، مسؤولون كبار من مختلف بلدان العالم. بعض هؤلاء جاءوا للتعبير عن تأييدهم وتضامنهم مع ثورة مصر، والبعض الآخر، ومعظمهم من الغرب الاستعماري، جاء متشككا وحاملا كثيرا من الأسئلة، للتأكد من أن مصالحهم في مصر، لن يلحقها الضرر.

ومن ضمن أولئك الوافدين، المتشكيين في نوايا الثورة، النائب والوزير البريطاني السابق، ريتشارد كروسمان، الذي وصل القاهرة، أثناء أعياد الميلاد عام 1952، وقابل الرئيس عبد الناصر. وكان السؤال الملح، لدى كل أنصار الكيان الصهيوني، هو كيف ستكون علاقة مصر الثورة. ورد الرئيس بأن هذا الموضوع ليس من أولوياته في الوقت الحاضر. وأبلغ أن ما يهمه في تلك اللحظة، هو إنهاء الاحتلال البريطاني، والشروع في برنامج طموح لتنمية مصر.

عاد كروسمان بعد أقل من أسبوع، من تلك الزيارة والتقى مجددا بعبد الناصر، وأبلغه أن المؤسس للكيان الصهيوني، بن غوريون، يريد أن يقابله في أي مكان يختاره. وأنه لما علم بمقابلته للرئيس عبد الناصر، دعاه لمقابلته على وجه السرعة، وراح يسأل عن كل ما سمعه كروسمان من رئيس مصر، فأجابه بأنه يركز جهده الآن على الجلاء البريطاني، وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في مصر. فكان رد بن غوريون أن تلك هي أسوأ معلومات سمعها في الشهور الأخيرة، وأبلغه بأن حكومته لن تسمح بخروج البريطانيين من مصر، ولا بدخول مصر إلى مجالات التنمية قبل أن تسوى مشكلتها مع إسرائيل.

لم يكن هذا الموقف الوحيد، بين مواقف استعمارية أخرى، اتسمت بالتسويف والابتزاز والعنصرية والاحتكار من الغرب، قادته الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نهاية الحرب الكونية الثانية. وكان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أحد التعبيرات الصارخة لهذه السياسات.

ولذلك يمكن القول، إن النصر الذي تحقق بعد المواجهة الملحمية بين قوى العدوان الثلاثي على أرض الكنانة، وبين القيادة والشعب المصري، لم يكن حدثا عابرا في التاريخ العربي، أو في موازين القوى الدولية. فما كان قبل العدوان لم يشبه من قريب أو بعيد، ما بعد التصدي الباسل للشعب المصري، ومن خلفه الشعب العربي من المحيط إلى الخليج للعدوان الثلاثي، وللمؤامرة المكتملة الأركان على قلب الأمة.

إن من الصعب قراءة حدث العدوان بكل تفاصيله، في مقالة قصيرة كهذه، لأن ذلك يتطلب متابعة مكثفة وتراكمية، للمقادير التي وضعت مصر، وقيادتها في طليعة الكفاح العربي والأممي، في مواجهة الاستعمار التقليدي، بالقارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فقد جاءت هذه المواجهة، ونتائجها، ضمن محاولات دؤوبة من قبل قوى الهيمنة، لإعاقة تفكك النظام الرأسمالي، الذي جثم على سينين طويلة، عموم منطقتنا العربية، وفي القارة السمراء، وبلدان العالم الثالث. وبالمثل، جاء الرد الملحمي المقاوم، من قبل القيادة والشعب في مصر، وسائر أرجاء الوطن العربي، ليشكل نقلة نوعية، غيرت في الخارطة السياسية العربية، ومنحت هوية زاهية، لعقدي الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، بات من المألوف توصيفها بالزمن الجميل.

حملت المبادئ الستة التي بشرت بها ثورة 23 يوليو 1952، عناوين رئيسية ثلاثة. أولاها الحرية ممثلة في تحرير الإرادة المصرية، وإجلاء الاحتلال البريطاني عن القطر المصري، والابتعاد عن التكتلات والأحلاف العسكرية، التي انتقصت من سيادة مصر على أرضها. وكان العنوان الثاني، هو التنمية، ببعديها الاقتصادي والاجتماعي. والثالث تحديث مصر، وهو مشروع قديم بدأ به محمد على باشا، وثم إعاقته بفعل التدخل الخارجي.

وبين العناصر الثلاثة، علاقة وحدة وترابط، يضفي عليها طابعا ديالكتيكيا. فليس بإمكان شعب ما أن يمتلك مصائره ومقاديره، دون وعي ومقدرة وإرادة. والوعي رهن لوضوح الرؤية والقدرة على القراءة والتفكيك، ورسم الاستراتيجيات العملية والصائبة لتحقيق الأهداف. والقدرة تتطلب تحقيق مقتضياتها، من تنمية ومكافحة للفساد، وبناء جيش وطني قوي، وتأمين ما يحتاجه من أسلحة وإعداد ليكون قادرا على الدفاع عن الوطن ومكتسباته ومنجزاته. والإرادة، شرطها وقوف غالبية الأفراد المستفيدين من مشروع التغيير، خلفه ومعهم عمق مصر الاستراتيجي العربي، الممتد من البحر إلى البحر.

ولم تكن هذه عناصر متخيلة، فقد أكد صوابها التراكم النضالي التاريخي بوضوح، وحتى قبل اكتمال مشروع العدوان على مصر، وقوف الشعب العربي، إلى جانب التحولات التاريخية، الذي بدأت تأخذ مكانها، في أرض الكنانة، مباشرة بعد 23 يوليو 1952. وفي هذا السياق، يمثل رفض عمال ميناء نيويورك، تحميل الباخرة المصرية كيلوباترا، وتضامن عمال عدن، برفضهم تفريغ وتحميل البواخر الأمريكية، مدماكا عربيا صلبا، في التعبير عن مساندة مصر، ودعم حقها في التنمية والبناء، ومواجهة الابتزاز والاحتكار.

كما يمثل وقوف شعب سوريا الأبي خلف مصر، والصورة الأبهى لإذاعة دمشق، بعد التدمير الفرنسي البريطاني “الإسرائيلي”، للمرسلات الإذاعة المصرية، “هنا القاهرة من دمشق” وتفجير خطوط التابلاين، وتدمير البطل السوري، القادم من اللاذيقية الشهيد جول جمال للمدمرة الفرنسية جان بارت العملاقة، وانتفاض شعب العراق، والاحتجاجات والتظاهرات التي عمت المدن العربية، في بيروت والخرطوم وعمان، وبقية العواصم العربية، ومشاركة المتطوعين العرب في الدفاع عن بور سعيد أمام القصف الهمجي الوحشي البريطاني والفرنسي. واستقبال السعودية للطائرات العسكرية المصرية، وحمايتها من قصف العدوان.

ولا شك أن مساندة الأصدقاء في مختلف العالم، وعلى رأسهم الاتحاد السوفييتي، وإنذاره الشهير، الذي هدد فيه بضرب لندن وباريس بالسلاح النووي، والقضاء المبرم على الكيان الصهيوني، ورغبة الأمريكية الجامحة في إزاحة الاستعمار التقليدي عن المنطقة، وبدء مشروع الاستعمار الجديد، كلها عوامل مساندة، أدت إلى فشل العدوان، لكن العامل الأساس في فشل مخطط العدوان هو المقاومة الباسلة للجيش والشعب المصري، للعدوان ووقوف العشب العربي بأسره خلف مصر.

وقد كشف مخطط العدوان ونتائجه وتداعياته، عن حجم النفاق والتزوير الغربي، وازدواجية المعايير. فالغرب الاستعماري الذي يرفع شعار الحداثة، وقف باستمرار ضد حق العرب في اكتسابها. ورفض تزويد مصر، بما يؤهلهت باقتدار لولوجها، من خلال رفضه تزويدها بالسلاح، والمصانع، والقروض اللازمة لبناء سد أسوان.

فكان الانتصار على العدوان انتصارا للحرية والمضي قدما في طريق التنمية واكتساب قيم الحداثة. وذلك ما عبر عنه جمال عبد الناصر، بأن طريق الديمقراطية لن يكون سياسيا محضا، بل لا بد أن يسبقه تحولات اجتماعية. فالشعب الأمي والجائع المغلوب على أمره لن يكون بإمكانه انتزاع حقوقه، وتلك كان واحدة من أهم سمات مرحلة النهوض القومي، في عقدي الخمسينات والستينيات، من القرن الماضي.

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments