عن اسرائيل .. أمريكياً

عن اسرائيل .. أمريكياً

ليس القصد هنا استعراضا تاريخيا لعلاقة تليدة بين “كنعان الجديدة” وبين اسرائيل , فما بينهما في التاريخ والتشبه والتشابه والخلفية هو أثخن من حبل وريد. القصد هو زيارة أطوار تلك العلاقة وتطورها من تجنب الى اعجاب الى تبن ثم الى ارهاصات تنائي.

 

كان التجنب إثر الحرب العالمية الثانية ليس لفقدان التعاطف مع مشروع اليشوف الصهيوني في فلسطين وإنما بسبب الخشية من عقابيل تبنيه عند العرب , والذين كانت علاقة الولايات المتحدة بحكامهم طرية العود وبحاجة لرعاية فائقة , وهي بعد في المهاد , تقيها من أنواء التهشيم ؛ والتي خشي وزير خارجيتها الجنرال جورج مارشال من هبوبها في حال مضت واشنجتن الى ذاك التبني.

 

من يعد لفترة الشهور الست الفاصلة مابين نوفمبر ١٩٤٧ ومايو ١٩٤٨ يلحظ كيف أن “تجرؤ” واشنجتن على رعاية قرار التقسيم عند بدايتها سرعان ما انقلب الى تخلٍ بين في مارس , حين دعا مارشال مجلس الأمن لوضع فلسطين تحت الوصاية الدولية حال انسحاب القوات البريطانية منها في مايو.

 

لكن اعتراض الرئيس هاري ترومان , والنابع من قراءته العارفة لعزوف الملك السعودي عن المس بالمصالح النفطية الأمريكية عنده , معطوفة على هشاشة وضعه الانتخابي سنتها , بما يجعل من صوت أية جماعة فرعية كاليهود-فارقا , قاده الى كبح مارشال عما انتواه واتخاذ قرار الاعتراف باسرائيل حال إعلان قيامها يوم إتمام الانسحاب البريطاني من فلسطين.

 

والحال أن “المؤسسة” الأمريكية عاشت شهور قلق ستة على مصير الدولة اليهودية الوليدة برغم رفدها بمتطوعين يهود منتمين لعسكريات غربية , أهمها الأمريكية , ومن أسلحة وذخائرقوت من عصبها ومنحتها ميزة التفوق الحاسم على من تحارب.

 

بانتهاء حرب ٤٨ ترسخت ثقة المؤسسة بجدارة المشروع الاسرائيلي , وإن ليس الى درجة اعتماده وكيلا اقليميا وظيفيا بعد ؛ ذلك أن حائط العداء العربي العام له درأ ترفيعه لتلك المرتبة. تجلى ذلك في امتناع واشنجتن عن تسليح اسرائيل لثلاثة عشر عاما وتركها تلك المهمة لفرنسا وبريطانيا , ثم ألمانيا الغربية- عام ٦٠.

 

 فقط في حزيران ١٩٥٦ راودت واشنجتن لوهلة فكرة استخدام الجيش الاسرائيلي – تساحال سوطا يلهب ظهر حركة القومية العربية ممثلة في قيادة جمال عبدالناصر ؛ وقتها بلغ الغيظ الأمريكي من الرجل وما يمثل حدا شاهق المنسوب على خلفية سلسلة مواقف له جمعت : باندونغ , مقاومة وإفشال حلف بغداد , كسر احتكار السلاح , رفض مقايضة تمويل بناء السد العالي بالصلح مع اسرائيل , ثم الاعتراف بالصين الشعبية. لكن الحكمة غلبت على التهور في النهاية وطويت الحكاية , واكتفي بتخزين كميات كبيرة من السلاح الأمريكي في اسرائيل ليوم قد يأتي…. ثم مضوا الى سحب عرض تمويل السد عوضاً.

 

ما عناه مجرد التفكير باستخدام اسرائيل عسكريا ان وظيفية “مشروعها” قد أضحت محتسبة , أما إعمالها فما زال مشوبا بحذرٍ حاسب.

 

احتمال الوظيفية هذا خفت في ضوء خروج اسرائيل عن النص في السويس بتواطئها مع بريطانيا وفرنسا مخالفة لكابح أمريكي لا يريد حربا لإسقاط عبدالناصر تحيي رميم الأخيرتين بل التوصل لذلك دون طلقة رصاص , مصحوبا بإحالتهما على التقاعد الأمبراطوري.

 

ما لبث ذلك الاحتمال وأن عاد الى بعض تعافٍ غداة السويس , سيما في ضوء الصعود الصاروخي لحركة القومية العربية . تلواً , فوعي اسرائيل بانتعاش احتمال وظيفيتها تنامى بتنامي غرسة الإحباط الأمريكي القلق من تمدد عبدالناصر , وماديا , الى جنوب شبه الجزيرة العربية في خريف ٦٢ ؛ ثم فشلها في إخراجه قسرا عبر مسيرة عام تلاه. حينها بدأت اسرائيل بالتجرؤ على شن أعمال تعرضية كبيرة ضد جوارها السوري والأردني تمثلت في إعاقة أعمال تحويل روافد نهر الأردن السورية خريف ٦٤ , ثم في غارة السموع الأردنية في خريف ٦٦ , ثم في غارة غوطة دمشق الجوية في ربيع ٦٧.

 

تلك الغطرسة كانت من بين الأسباب التي دعت عبدالناصر الى الانقلاب على نهجه المستدام : تجنب الحرب ضد اسرائيل لحين اللحاق بمشروعيها النووي والصاروخي , ومضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات : ٦٠-٧٠ ؛؛ وهو بدوره ما أخذ اسرائيل , وخلفها واشنجتن , الى خيار اغتنام الفرصة وتوجيه ضربة اسرائيلية مباشرة تفي بغرض اسقاط عبدالناصر ونظامه. عند تلك النقطة بالذات ارتفعت اسرائيل في الحساب الأمريكي من مشروع حليف جونيور وظيفي الى وكيل وظيفي معتمد في الاقليم بالتمام والكمال , ما إن وضعت حرب ٦٧ أوزارها بذلك الانتصار الاسرائيلي المدوي.

 

دام ذلك النهج حتى صيف ٩٠ حين نزلت واشنجتن الى الحلبة بقضها وقضيضها , معطوفا على حرج لاجم لاستخدام اسرائيل , في وجه اجتياح العراق الكامل للكويت , سيما وقد سقطت الامبراطورية السوفييتية بالنقاط ولم يعد بذلك أمامها كابح أو مروض لم يعن ذلك تلاشي وظيفية المشروع الاسرائيلي بل إنحصار تفويضها في أرض الصراع الرئيس ذاتها : فلسطين. كان الاستثناء الوحيد لذلك الحصر هو تكليفه أمريكيا بمحاولة تصفية حزب الله في لبنان صيف ٢٠٠٦ , بل وإصرار السيد الأمريكي على تمديد المحاولة لوقت فاض عما رغب فيه تساحال

 والحال أن ضمور دور الوكيل الوظيفي الاقليمي قد لزمه عقد من الزمن كي يتمظهر نهجاً بدت ملامحه في شحوب أي دور فارق لاسرائيل في الحرب السورية،اسرائيل الان تمضي الى خانةٍ يصح وصفها بالامتداد النسيجي العضوي المتقدم للولايات المتحدة في الشرق العربي , والذي يتنفس طبيعيا وتطبيعيا بين ظهراني حوارييها وحلفائها الصغار , ليشكلوا معا منظومة تبعية.

 

 

 

مقالات مشابهة

Facebook Comments